في كل مرة نتحدث فيها عن أزمة المياه في العراق، نفكر في الأنهار التي تختفي، وفي ازدياد موجات الجفاف وتفاقمها.
ولكن ماذا لو بدأت إحدى أهم المحادثات حول المياه بالنفط؟
استضاف مركز ضياء جعفر للطاقة والموارد الطبيعية جلسة نقاشية تناولت هذه الروابط، وتطرقت إلى سؤال محوري: كيف يُشكّل ترابط المياه والطاقة مستقبل قطاع الطاقة في العراق؟ وقد ناقش ضيفنا الكريم، الدكتور عبد المطلب رأفت سرحات، الخبير في إدارة موارد المياه وتلوث التربة والباحث البيئي، كيف يتشابك شح المياه في العراق مع إنتاج الطاقة والزراعة وتغير المناخ والتنمية المستدامة طويلة الأجل. وبدلاً من النظر إلى هذه القضايا بشكل منفصل، جمعت الندوة الحوارية خبراء وباحثين وصناع سياسات لتسليط الضوء على سبب تحوّل المياه إلى أحد أهم موارد العراق تحت ضغط متزايد.
لفهم حجم التحدي، برزت نقطةٌ لافتةٌ تتمثل في قدرة العراق الإنتاجية الإجمالية من النفط، والتي تبلغ حوالي 5 ملايين برميل يوميًا، وقد يتطلب هذا المستوى من الإنتاج ما يُقدّر بنحو 8 إلى 10 ملايين برميل من المياه يوميًا، مع ملاحظة المشاركين أن البيانات الوطنية الشاملة لا تزال محدودة. بالإضافة إلى ذلك، هناك حاجةٌ إلى كمياتٍ إضافيةٍ من المياه خلال عمليات التكرير، مما يُؤدي إلى استنزاف المياه العذبة. وبدلًا من اقتراح خفض العراق لإنتاجه من الطاقة، طُرحت أفكارٌ مثل استخدام مصادر مياه بديلة، وتحسين التقنيات وممارسات إدارة المياه، واستكشاف طرقٍ تُقلل من الطلب على المياه العذبة مع الحفاظ على إنتاج الطاقة.
إلى جانب قطاع النفط، تناولت الجلسة النقاشية الأسباب الأوسع لأزمة المياه المتفاقمة في العراق، مشيرة إلى معدلات هطول الأمطار، وارتفاع درجات الحرارة، والتلوث، وتهالك البنية التحتية، واعتماد العراق على الأنهار التي تنبع من خارج حدوده. وتُشكل هذه التحديات مجتمعةً ضغطاً متزايداً على موارد المياه العذبة المحدودة في البلاد. وقد أكد ذلك على أهمية توسيع نطاق معالجة مياه الصرف الصحي وإعادة استخدامها، بما يسمح بتوظيف المياه المعالجة لدعم الأنشطة الصناعية والزراعية بدلاً من الاعتماد كلياً على مصادر المياه العذبة.
وارتباطاً وثيقاً بهذا التوتر، برزت الزراعة كموضوع رئيسي آخر طوال الجلسة. وبدلاً من تقليص النشاط الزراعي، وهو أمر سائد تاريخياً وثقافياً في مجتمعنا، أكد ضيوفنا على ضرورة تحسين الكفاءة من خلال أنظمة الري الحديثة والإدارة الأفضل للمياه.
وانطلاقاً من هذه الأفكار، دعا العديد من المشاركين إلى حلول عملية لحماية موارد المياه العذبة في العراق. وأشار أحد ضيوفنا، وهو مسؤول حكومي، إلى إمكانية استخدام مصادر مياه بديلة، مثل المياه المالحة من شط العرب والخليج العربي للأغراض الصناعية حيثما أمكن، مما يساعد على الحفاظ على المياه العذبة للشرب والزراعة. وأشار باحث بارز في قسم الهندسة المدنية بجامعة كومار للعلوم والتكنولوجيا إلى أهمية التقنيات الناشئة، مقترحاً أن الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة يمكن أن يحسّنا إدارة المياه ويقللا استهلاكها بشكل كبير في المستقبل.
وبالنظر إلى ما هو أبعد من الحلول المحلية، أوضح أستاذ ضيف متميز في الهيدروجيولوجيا وخبير في مجال المياه بخبرة تمتد لعشرين عاماً أن تحديات المياه في العراق لا يمكن معالجتها من خلال العمل المحلي وحده. يعد التعاون الإقليمي ودبلوماسية المياه الأقوى أمرًا ضروريًا، في حين أكد رئيس قسم القانون في أن الأطر القانونية الدولية يمكن أن تدعم جهود العراق لحماية موارده المائية المشتركة إذا تم تطبيقها بشكل صحيح.
أكدت مجمل جلسة النقاش أن أزمة المياه في العراق تتجاوز مجرد مسألة المياه، فهي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بإنتاج الطاقة والزراعة وتغير المناخ والسياسات الدولية والتنمية طويلة الأجل. ومن خلال جمع خبراء من مختلف التخصصات، يواصل مركز ضياء جعفر للطاقة والموارد الطبيعية بالجامعة الأمريكية في العراق, السليمانية توفير منصة لحوار بناء وحلول قائمة على الأدلة من الخبراء. وقد بات من الواضح أن حماية موارد المياه في العراق ليست مجرد أولوية بيئية، بل هي ضرورية لبناء مستقبل أكثر استدامة.