أزمة الكهرباء في العراق عالقة في "عاصفة معقدة الأبعاد": هشاشة أمن الوقود، وتزايد الطلب، وقيود شبكة التوزيع، والتحديات المزمنة المتعلقة بقطاعَي التخطيط والحوكمة.

وفي هذا السياق، عقد مركز ضياء جعفر للطاقة والموارد الطبيعية في الجامعة الأمريكية في العراق - السليمانية جلسة حوارية مستديرة عقب عرضٍ تقديمي قدمه هاري إستيبانيان، مؤسس مركز تغير المناخ العراقي (IC3+) والخبير المستقل في سياسات الطاقة والمياه.

انطلقت الجلسة من تساؤلٍ جوهري وبسيط: إذا كان توليد المزيد من الطاقة وحده لا يمكنه حل الأزمة، فما الذي يمكنه ذلك؟

المشكلة تتجاوز توليد الطاقة

كانت إحدى النقاط الرئيسية في النقاش هي أن أزمة الكهرباء في العراق لا يمكن فهمها ببساطة على أنها نقص في محطات توليد الطاقة. ومع التوقعات ببلوغ ذروة الطلب 55 جيجاواط في عام 2026 مقابل إمدادات متاحة تبلغ حوالي 22 جيجاواط، تتفاقم هذه الفجوة بشكل أكبر بسبب زيادة الطلب المدفوع بالنمو السكاني، والتوسع الحضري، وزيادة امتلاك الأجهزة الكهربائية، والتوسع في استخدام مكيفات الهواء، وموجات الحر الأكثر شدة.

وقد أثيرت تساؤلات حول مدى فعالية تخطيط وإدارة القدرة الحالية لتوليد الطاقة في العراق. فمن بين ما يقرب من 251 من التوربينات الغازية وتوربينات الدورة المركبة في البلاد، أُفيد بأن حوالي 30 في المائة منها معطلة بسبب الأعطال الفنية، أو متطلبات الصيانة، أو نقص الوقود.

وتعاني الشبكة بحد ذاتها من نقاط ضعف كبيرة. فقد تمت إضافة محطات توليد الطاقة بمرور الوقت دون تخطيط متكامل بما فيه الكفاية، مما خلق نظاماً معقداً يظل فيه التنسيق بين التوليد وإمدادات الوقود وتوزيع الكهرباء تحدياً كبيراً. كما أن المركزية في عمليات التوليد تخلق ضعفاً إضافياً عندما تتعرض المرافق الرئيسية للاضطرابات.

فهم حوكمة الكهرباء و"فلسفة الطاقة"

واتجه مسار الحديث إلى ما هو أبعد من الأسئلة الفنية ليصل إلى المؤسسات والأنظمة المسؤولة عن إدارة القطاع. وبرزت استفسارات حول ما إذا كان نهج التخطيط الحالي في العراق قادراً على مواكبة التغيرات المتسارعة في حجم الطلب على الكهرباء. ولوحظ أن التوقعات الحالية تعتمد على فرضيات قديمة تتعلق بالنمو السكاني، في حين أن النماذج الأكثر تخصصاً يمكن أن توفر أساساً أوضح لتوقع الاحتياجات المستقبلية.

ومع ذلك، كانت إحدى القضايا المحورية التي تم بحثها هي افتقار الحكومة والمجتمع إلى فهم "فلسفة الطاقة". وأشار المشاركون إلى أن الوزارات الحكومية الحالية تفتقر على ما يبدو إلى التنسيق عبر مؤسسات الطاقة في العراق، مشيرين إلى أن الكهرباء هي نظام يقع ضمن قطاع طاقة أوسع. ولذلك، تطرق أحد المقترحات إلى الدور المحتمل لوزارة طاقة أوسع في جمع هذه القطاعات المنفصلة تحت إطار أكثر تنسيقاً؛ بحيث تصبح وزارة الطاقة هي صانع السياسات الرئيسي للنفط والغاز، والكهرباء، ومصادر الطاقة المتجددة مثل المياه وغيرها.

رغم ذلك، ظل تحدي الضغوط المالية يطرح نفسه مراراً. فقد بيّن العرض التقديمي تكاليف سنوية مقدرة لتوليد الكهرباء تتراوح بين 15 و20 مليار دولار، إلى جانب خسائر كبيرة في القطاع وضعف في تحصيل الإيرادات. وهذا يسلط الضوء على أن الأزمة لا تتعلق فقط بإنتاج المزيد من الكهرباء، بل تتعلق أيضاً بكيفية تخطيط القطاع وإدارته وتمويله.

من إدارة الأزمات إلى الإصلاح الهيكلي

اختتمت الجلسة الحوارية بمقترحات عملية تهدف إلى معالجة بعض هذه التحديات المترابطة. وفيما يلي بعض النقاط الرئيسية المستخلصة:

●      التأكيد على إنشاء إطار إداري ونظام فوترة موحد على مستوى البلاد.

●      اللامركزية المترابطة لمحطات التوليد (Clustering) لإدارة أكثر مرونة عبر المحافظات.

●      توسيع نطاق نشر العدادات الذكية.

●      دمج بيانات الكهرباء من خلال أنظمة مركزية.

في النهاية، سيكون تعزيز هذه الأنظمة المترابطة أمراً ضرورياً لبناء قطاع كهرباء أكثر موثوقية واستدامة.