1. أزمة هرمز وهشاشة التصدير في العراق      

ماذا حدث؟ أدت الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى إلى تعطيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، مما كشف على الفور عن ضعف هيكلي طويل الأمد في نظام تصدير النفط العراقي. فحوالي 93% من صادرات العراق من النفط الخام تمر عبر البنى التحتية للتصدير في البصرة والتي تعتمد كليا على الوصول الدائم إلى الخليج.1

 ومع بلوغ متوسط صادرات النفط 3.26 مليون برميل يومياً بسعر 68 دولارا أميركيا للبرميل تقريبا في الشهر الذي سبق الحرب، فإن أي انقطاع كامل سيكلف العراق حوالي 221 مليون دولار أمريكي من الايرادات اليومية. وهذا الرقم مثير للقلق بالنظر إلى أن النفط يمثل ما يقرب من 90% من إيرادات الدولة الاتحادية 2 .

لماذا حدث؟ لم تتغير جغرافية صادرات العراق بشكل كبير لعقود مضت، حيث تتدفق غالبية صادراته عبر الخليج العربي/الفارسي من ميناء البصرة وعدة مراسي نقطية مفردة، ولم يتم تطوير الممرات البديلة بما في ذلك خط أنابيب العراق المار في في السعودية (IPSA) إلى البحر الأحمر، وخط أنابيب العراق- سوريا عبر سوريا إلى البحر الأبيض المتوسط، وخط أنابيب العراق-تركيا (ITP)، وجميعها تمت تطويرها في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي. وكان العراق والاردن يناقشان احتمالية إنشاء خط أنابيب العراق-الأردن منذ عام 2013 لكن تلك النقاشات بقيت حبرا على ورق.

أما اليوم فإن خط أنابيب العراق-تركيا هو الوحيد الذي بقي نشطا الى حد ما مع تصدير فعلي يقارب 250,000 برميل يوميا مقابل طاقة اسمية تبلغ 1,600,000 برميل يوميا. ومع ذلك فهو فإمكانياته محدودة بسبب تدهور البنى التحتية وانخفاض الإنتاج في الحقول الشمالية وعدم الاستقرار الإقليمي. أما المسارات الأخرى فلا يمكن استخدامها نتيجة لمزيج من الأسباب التي تتمثل بالتدهور المادي والنزاعات السياسية غير المحلولة، وتحولات التحالفات الإقليمية.

ما اهمية ذلك للعراق؟ لا يمثل تركيز الصادرات مجرد مشكلة لوجستية لها تداعيات اقتصادية ومالية كبيرة فمن الناحية النظرية كان بإمكان الممرالشمالي نقل ما بين 400,000 و500,000 برميل يوميا، لكن حالة عدم الاستقرار الأمني والنزاع غير المحسوم بين بغداد وأربيل أدى إلى تأخير استئناف التصدير لمدة 18 يوما تقريبا بعد إغلاق مضيق هرمز. وقد أدى غياب الضمانات الأمنية الموثوقة للشركات النفطية الدولية العاملة في إقليم كردستان إلى بقاء 200.000 برميل يوميا إضافيا عالقا فعليا. ولا تزال علاقات العراق مع الدول التي يمكنها فتح طرق بديلة وهي المملكة العربية السعودية والأردن وسوريا - معقدة بسبب الضغوط السياسية الداخلية – التي أعاقت تاريخيا التفاعل الثنائي الطبيعي.

ما التوقعات المستقبلية؟ طالما استمرت الأزمة الحالية سيبقى العراق يعاني ماليا، وسيتعين على الحكومة العراقية الجديدة أن تقرر ما إذا كانت ستعطي الأولوية للاستثمار الجاد في البنية التحتية ام لا، فالعراق يدرك جيدا المناقشات السياسية والفنية المتعلقة بتنويع الصادرات والسؤال المطروح هو: هل سيمنع الجمود المؤسسي والقيود المالية وثقة المستثمرين والاقتصاد السياسي الفئوي الحكومة العراقية مرة أخرى من الاستفادة من الدرس الذي دفعت ثمنه بالفعل؟

  1. دخول شيفرون المحتمل وتحول ديناميكيات الاستثمار العراقي في مجال التنقيب والإنتاج

جلسة توقيع اتفاقية شيفرون – في بغداد في 23 شباط 2026، حقوق الصورة: مكتب رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني

جلسة توقيع اتفاقية شيفرون – في بغداد في 23 شباط 2026، حقوق الصورة: مكتب رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني

ماذا حدث؟ في 23 فبراير 2026 وقع العراق على حزمة من الاتفاقيات التي تسمح لشركة "شيفرون" بالدخول إلى حقل غرب القرنة - 2، وهو أحد أكبر حقول الإنتاج في البلاد وذلك عقب الخروج المتوقع لشركة "لوك أويل" الروسية في ظل العقوبات الغربية 3. وتنص الصفقة على نقل إدارة التشغيل المؤقتة إلى شركة نفط البصرة ومنح "شيفرون" مهلة حصرية مدتها عام واحد للتفاوض على عقد جديد. وتغطي مذكرات تفاهم إضافية التعاون المحتمل في قضاء بلد والعديد من مناطق الاستكشاف في محافظة ذي قار.

لماذا حدث؟ يعكس دخول شركة شيفرون المحتمل إعادة توازن جيوسياسي واضحة في قطاع التنقيب والإنتاج في العراق، في أعقاب وجود شركة "توتال إنرجيز" في حقل ارطاوي بمحافظة البصرة فضلا عن دعوة شركة "إكسون موبيل" للعودة إلى حقل مجنون، وعودة شركة "بي بي" إلى حقول كركوك 4. وعلى مدى العقد الماضي قلصت الشركات الغربية تدريجيا تواجدها في العراق، في حين وسعت الشركات الروسية والصينية نطاق عملها فيه، وقد أدت العقوبات الأخيرة المفروضة على شركات الطاقة الروسية إلى تعطيل هذا الترتيب. ويبدو أن بغداد تستغل هذه الفرصة عن قصد ليس لمجرد سد فجوة تشغيلية بل للإشارة إلى إعادة تموضع أوسع نطاقا لشراكاتها الاستثمارية.

ما أهمية ذلك للعراق؟ ينتج حقل غرب القرنة -2 حوالي 450,000 برميل يوميا، وهو ما يمثل حصة كبيرة من إجمالي إنتاج العراق.5 لذلك فالحفاظ على استمرار تشغيل الحقل أمرا أساسيا لاستراتيجية الإنتاج وجني الإيرادات للبلاد. ويحمل دخول شركة شيفرون المحتمل إشارة أوسع نطاقا: وهي أن العراق قادر على جذب شركة أميركية كبرى في وقت يعيد فيه التوازن الجيوسياسي تشكيل خارطة المستثمرين ومواقع استثماراتهم في قطاع الطاقة بالشرق الأوسط.

لقد كافح العراق لجذب شركات النفط الغربية الكبرى منذ جولتي التراخيص الأوليين عام 2009. ومن شأن الانتقال السلس للمسؤولية ان يجنب البلاد مسألة تعطل الإنتاج ويحمي استمرارية الإيرادات في وقت لا تزال فيه ميزانية العراق تحت الضغط. لكن الخطر يكمن في أن الاتفاقات أبرمت في ظل حكومة انتقالية، مما يجعل وضعها القانوني ومستقبلها السياسي غير مؤكدين حتى يتم تشكيل حكومة عراقية جديدة تصادق على الاتفاق.

ما التوقعات المستقبلية؟ ستشكل مفاوضات حقل غرب القرنة -2 سابقة فعلية لبيئة التعاقد في قطاع التنقيب والإنتاج في العراق. وكيفية استغلال بغداد لهذه الفرصة الاستراتيجية وستحدد نمو الإنتاج على المدى الطويل، وعمليات استخلاص الغاز المصاحب لإنتاج الكهرباء وإيرادات الدولة. بالإضافة إلى ذلك فإن تأثير التطورات الجيوسياسية الإقليمية المرتبطة بالحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران على اقتصاد العراق وتحديدا على قطاع الطاقة وبيئة العمل لشركة شيفرون هو متغير رئيسي يجب مراقبته.

 3. صراع إقليمي يعطل سوق الوقود المحلي

ناقلة وقود ممتلئة تم تحميلها في مصفاة كربلاء مصدر الصورة: الموقع الرسمي لمصفاة كربلاء

ناقلة وقود ممتلئة تم تحميلها في مصفاة كربلاء مصدر الصورة: الموقع الرسمي لمصفاة كربلاء

ماذا حدث؟ أدت الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل إلى حدوث نقص في الوقود في جميع أنحاء العراق، وأثرت على توفر كل منالبنزين والغاز السائل (LPG) 6. وسمح مجلس الوزراء العراقي باستيراد البنزين في حالات الطوارئ، ومنح شركة (SOMO)استثناء من قواعد الشراء القياسية 7. ونتج النقص عن تعطل المصافي وإجلاء الكوادر الفنية الأجنبية من المنشآت الرئيسية، وفقدان بعض إمدادات الغاز المصاحب عند انخفاض الإنتاج في حقول نفط البصرة.

لماذا حدث؟ تعود هذه الاضطرابات إلى عدد من العوامل حيث أدى رحيل العمال الأجانب في مصفاة كربلاء إلى تعطيل إنتاج البنزين عالي الجودة، وأجبرت السعة التخزينية المحدودة للوقود الثقيل في المصافي الأخرى المشغلين على خفض الإنتاجية. وفي إقليم كردستان أدى إغلاق منشأة المعالجة الرئيسية في خور مور إلى انخفاض حاد في إمدادات الغاز السائل. ان نقاط الضعف التي ذكرناها ليست جديدة، بل هي تعكس تقادم البنى التحتية لقطاع التكرير والتسويق وظروف التشغيل التي لا تترك سوى هامش ضئيل لمواجهة الصدمات الخارجية

ما أهمية ذلك للعراق؟ كانت آثار ارتفاع الأسعار فورية وكانت تؤثر سلبا على الفئات الأقل دخلا، وبحلول أوائل أبريل قفزت أسعار التجزئة الرسمية للغاز السائل في إقليم كردستان من حوالي 425 دينار عراقي للتر الواحد إلى ما يقارب 1100 دينار عراقي (أو من 9000 إلى 20000 دينار عراقي لأسطوانة الغاز الواحدة). وكانت الأسعار أعلى من ذلك في السوق غير الرسمية.

وارتفع سعر الكيروسين من حوالي 700 إلى 950 دينار عراقي مع تحول الأسر إلى أنواع أخرى من الوقود. وبالنسبة للأسر ذات الدخل المنخفض والشركات الصغيرة التي تعتمد على الطاقة المدعومة فإن هذه الطفرة في الأسعار ليست تقلبات طفيفة، بل هي صدمات في الرفاهية، كما أن اللجوء إلى الواردات الطارئة يسلط الضوء على المفارقة المتمثلة في أن العراق الذي يعد أحد أكبر منتجي النفط الخام في العالم لا يزال معرضا لمخاطر هيكلية في مجال التكرير ومعالجة الغاز.

ما التوقعات المستقبلية؟ إن نقاط الضعف في قطاع التكرير والتسويق في العراق موثقة جيدا، وتُظهر الأزمة الأخيرة ضرورة الاستثمار في قطاع التكرير مع التركيز على زيادة سعة التخزين وإنتاج الغاز السائل. ان الشيء المفقود في تلك الازمة هو المتابعة المؤسسية لمعالجتها قبل حدوث الاضطراب اللاحق.

  1. العراق يفتح طريق التصدير السوري لتخفيف ازمة الوقود

شاحنات نقل نفط عراقية تنقل زيت الوقود الثقيل (HFO) إلى ميناء بانياس السوري، ابتداءً من 1 نيسان 2026. مصدر الصورة: وزارة الطاقة السورية.

شاحنات نقل نفط عراقية تنقل زيت الوقود الثقيل (HFO) إلى ميناء بانياس السوري، ابتداءً من 1 نيسان 2026. مصدر الصورة: وزارة الطاقة السورية.

ماذا حدث؟ في 1 أبريل 2026، بدأت شركة SOMO في تصدير الوقود الثقيل (HFO) بواسطة الشاحنات عبر ميناء بانياس في سوريا، وهو اول تصدير من نوعه منذ عقود. وبلغت الشحنات الأولية حوالي 200 شاحنة يوميا مع وجود خطط لزيادة العدد إلى 500 شاحنة. وجاءت هذه الخطوة في الوقت الذي واجه فيه العراق قيودا حادة على الصادرات عقب تعطل طرق الشحن في الخليج. وتؤكد المؤشرات الأولية على إمكانية توسيع نطاق هذا الممر ليشمل صادرات النفط الخام في حال استمرار الاضطرابات البحرية 8.

لماذا حدث؟ كان الدافع المباشر لإعادة تشغيل مسار التصدير هذا هو تراكم زيت الوقود الثقيل (HFO) داخل نظام التكرير العراقي ونظرا لأن معظم المصافي العراقية بسيطة نسبيا أو قديمة فهي تنتج الوقود الثقيل بنسب تتراوح بين 40% و50% من إجمالي الإنتاج. وهو منتج ثانوي يجب افراغه باستمرار حتى تستمر عمليات التكرير وعندما تعطلت طرق التصدير في الخليج ووصل التخزين الموقعي للوقود الثقيل إلى طاقته الاستيعابية القصوى، اضطرت عدة مصافي إلى خفض الإنتاج أو إيقافه بالكامل. وقد ساهم ذلك بشكل مباشر في حدوث نقص محلي في البنزين والديزل والغاز السائل للأسر العراقية. وأتاح إعادة فتح الطريق السوري منفذا لتصفية المخزونات واستعادة الإنتاجية عبر نظام التكرير.

ما أهمية ذلك للعراق؟ في وقت كان فيه العراق قد تكبد بالفعل خسائر كبيرة في الإيرادات جراء الاضطرابات البحرية، يوفر ممر بانياس إضافة جزئية لكنها مهمة لمرونة الصادرات في البلاد. وبشكل عام تشير هذه الخطوة إلى إحياء التعاون في مجال الطاقة مع سوريا بعد عقود من الانقطاع - وهو في حد ذاته تطور جيوسياسي ملحوظ - ومع ذلك، فإن النقل بالشاحنات حل مكلف ومحدود بطبيعته لتصدير النفط الخام.

فالتكلفة للبرميل أعلى بكثير من النقل عبر الأنابيب كما أن الكميات مقيدة بقدرة الطرق واللوجستيات، ويظل المسار عرضة للظروف الأمنية على جانبي الحدود لذلك من الأفضل فهم إعادة فتح هذا الممر على أنه إجراء إغاثة طارئة، أكثر منه تنويع هيكلي.

ما التوقعات المستقبلية؟ السؤال الحاسم هو ما إذا كان العراق سيتعامل مع هذا الممر كحل مؤقت أم كأساس لشيء أكثر استدامة. إن استعادة البنية التحتية للأنابيب بين العراق وسوريا من شأنها أن تغير اقتصاديات الطريق وقيمته الاستراتيجية بشكل كبير. وسوف يحدد فيما لو كانت بغداد ستتحرك في هذا الاتجاه — وان الظروف السياسية في دمشق تسمح بذلك — وكان هذا التطور يمثل نقطة تحول حقيقية في تنويع صادرات العراق أم هو مجرد فرصة أخرى ضائعة.

 

 

_________________________________________

 

1- بيان عام لشركة النفط السورية صدر في 1 نيسان 2026 .

https://www.facebook.com/photo?fbid=122127675807122430&set=a.122115497445122430

2-  مجيد غريب. "ارتفعت أسعار الغاز ثلاثة اضعاف، وأغلقت بعض المخابز أبوابها" – 22 آذار 2026، مقال في موقع روداو نشر باللغة الكردية.

 https://www.rudaw.net/sorani/business/220320262https://www.rudaw.net/sorani/business/220320262

3- رئيس الوزراء يترأس الجلسة العادية الثانية عشر لمجلس الوزراء بحضور نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة ووزير النفط ، مكتب الاعلام والاتصالات الحكومي 24 آذار 2026 .

https://www.facebook.com/ministryofoil201/posts/pfbid02Fin4UZUqtiFbVUJCzWjbSJi1P76Qj6e89QKUsmyqxACZB6W9toSr3FbbxVgY1cAcl?rdid=QqadTWTookZhAw98

4- المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني

https://www.facebook.com/photo/?fbid=1399847452189210&set=d41d8cd9

5- وزارة النفط العراقية : https://www.facebook.com/photo/?fbid=1399847452189210&set=d41d8cd9

6- "الغموض يحيط بحقل القرنة-2:

  https://www.iraqinews.com/iraq/uncertainty-surrounds-iraqs-west-qurna-2-oilfield/#google_vignette

7-تقرير فريق عمل النفط العراقي "العراق يبدأ بإيقاف الإنتاج على مستوى البلاد" والصادر في 4 آذار 2026.

https://mof.gov.iq/Budget-implementation-Archive.aspx2-8 بيانات وزارة المالية حول الإيرادات والنفقات العامة: