تعود أزمة الكهرباء في العراق للظهور في كل صيف تقريبا، لكن صيف هذا العام 2026 قد يمثل أحد أصعب التحديات التي يمكن ان تواجهها الحكومة حتى الآن، فمن المتوقع ان يتجاوز الطلب على الكهرباء صيفا حاجر 55 جيجاوات بينما لا يتجاوز العرض المتاح 20 جيجاوات، أي اقل من نصف ما تحتاجه البلاد وبعجز يصل الى 35 جيجاوات1.

وتتقاطع تحديات عدة في وقت واحد في هذا المجال، مما يسبب أزمة أشد بكثير من السنوات السابقة، ومن هذه التحديات زيادة غير مسبوقة في الطلب، وانقطاع إمدادات الغاز الإيراني، وتأخيرات في مشروعات البنى التحتية الحيوية، وقلة توفر الغاز الطبيعي، فضلا عن الضعف الهيكلي المستمر، كل هذه العناصر تتحد لتشكل "عاصفة مثالية “تطيح بقطاع الكهرباء في العراق

الحكومة الفيدرالية كانت تأمل في البداية أن تتمكن من تحسين تغطية الكهرباء بحلول عام 2026 من خلال تقديم حلول2 "استراتيجية"، شملت زيادة البنى التحتية لاستيراد الغاز الطبيعي السائل، وإكمال الربط الكهربائي مع دول الجوار الجغرافي واستقرار إمدادات الوقود لتوليد الكهرباء. ومع ذلك تم تأجيل أو تعطيل بعض هذه الحلول، وفي الوقت نفسه واصل العراق اعتماده على الغاز الإيراني مما حول أزمة الكهرباء فيه عام 2026 من مشكلة لتوليد الطاقة الكهربائية الى ازمة في الامن والوقود وكفاءة الحكم.

مأزق توليد الطاقة

توسع أسطول التوليد الكهربائي بشكل كبير في البلاد منذ عام 2003 حيث تعمل وزارة الكهرباء في الوقت الحالي بقرابة 251 توربين غاز وتوربين دورة مشتركة، بسعة متاحة تبلغ حوالي 21 جيجاوات. ومع ذلك يعمل حوالي 45٪ فقط من هذه التوربينات على الغاز الطبيعي فيما يعتمد الباقي على النفط الخام أو الوقود الثقيل أو الديزل.

اما القدرة التشغيلية فهي محدودة تماما حيث يُشار إلى أن حوالي 30٪ من المنظومة الكهربائية هي خارج الخدمة بسبب أعطال تقنية أو الحاجة الى الصيانة أو نقص الوقود. وكما يظهر في الجدول 1، فإن أعلى إنتاج مسجل من هذه التوربينات لم يتجاوز 17 جيجاوات، أي ما يعادل حوالي 80٪ من السعة المتاحة، وفقا لبعض التقديرات من الفنيين في قطاع الطاقة.

 جدول 1 : سعة محطات توليد الطاقة التي تعمل في العراق بحسب نوع الوقود ، في الربع الثالث من عام 2025

المصدر: تم اعداد الجدول من قبل المؤلف استنادا الى البيانات الحكومية الرسمية والكشوفات الصادرة عن الشركات، وتقارير قطاع الكهرباء المتاحة للجمهور.

يتطلب التشغيل الكامل لمحطات الطاقة الكهربائية التي تعمل بالغاز والدورة المركبة أي المزدوجة التي تعمل بأكثر من نوع من الوقود في العراق مقدارا من الغاز يقدر بين 130 - 137 مليون متر مكعب يوميا، أو حوالي 47 – 50 مليار متر مكعب سنويا، ولا يزال العرض الحالي أقل بكثير من هذا الاحتياج.

وتشير التقديرات المتاحة للقطاع إلى أن الغاز المحلي المزود لمحطات توليد الكهرباء يبلغ حوالي 31.5 مليون متر مكعب يوميا، ومن هذا المجموع بلغ متوسط الواردات من إيران حوالي 24 مليون متر مكعب يوميا في عام 2025، بتكلفة تقدر بنحو 2.8 مليار دولار أميركي سنويا. ولا يُنتج محليا سوى 7.5 مليون متر مكعب.

وتوفر هذه المصادر مجتمعة حوالي 11.5 مليار متر مكعب سنويا، مقارنة بالاحتياجات المقدرة بـ 47 مليار متر مكعب. وهذا يعني وجود عجز في إمدادات الغاز بنسبة تقارب 75% لتوليد الكهرباء بالغاز، وهو ما يبرر التفاوت الهيكلي بين قدرة التوليد المركبة في العراق وتوافر الوقود المناسب.

قطاع كهربائي عالي الكلفة

بلغت الميزانية السنوية لوزارة الكهرباء العراقية للمدة بين 2023–2025 حوالي 15.5 تريليون دينار عراقي 3. وتتكون من 11.6 تريليون دينار عراقي للنفقات التشغيلية و3.9 تريليون دينار عراقي للنفقات الاستثمارية والمشاريع4.  وفي عام 2024، بلغت قيمة الكهرباء التي باعتها الحكومة العراقية للزبائن من السكان حوالي 3 تريليون دينار عراقي، في حين بلغت الإيرادات التي تم تحصليها من هذا القطاع حوالي 2.3 تريليون دينار عراقي مع وجود ديون متراكمة بذمة المواطنين بلغت ـ 9.9 تريليون دينار عراقي.

ونتيجة لذلك سجل قطاع الكهرباء في البلاد خسائر بلغت حوالي 13.2 تريليون دينار عراقي في عام 2024. وتُقدَر هذه الخسائر بما يتراوح بين 16 و18 تريليون دينار عراقي وفقا لأسعار السوق الدولية اذا استثنينا تكاليف الوقود، كما يوضح الجدول 2، بالإضافة إلى مدفوعات الفوائد على القروض الممنوحة من المنظمات الدولية والبنوك الاستثمارية.

جدول 2: استهلاك الوقود لعام 2024 وأسعار السوق والتقديرات الخاصة بقيمة توليد الكهرباء.

المصدر: تم اعداد الجدول من قبل المؤلف استنادا الى البيانات الحكومية الرسمية والكشوفات الصادرة عن الشركات وتقارير الصناعة المتاحة للجمهور

المصدر: تم اعداد الجدول من قبل المؤلف استنادا الى البيانات الحكومية الرسمية والكشوفات الصادرة عن الشركات وتقارير الصناعة المتاحة للجمهور

وتتفاقم التكاليف المرتفعة لهذا القطاع بسبب انخفاض معدلات الكفاءة والقدرة التشغيلية، فضلا عن ارتفاع استهلاك الوقود في المحطات القديمة، ففي عام 2024 بلغ المعدل الحراري الإجمالي لمحطات توليد الطاقة في العراق حوالي 10,000 كيلوجول/كيلوواط في الساعة، وهو ما يعادل كفاءة حرارية متوسطة تبلغ حوالي 36%. وذلك بسبب الاستمرار في الاعتماد على الوحدات القديمة، وتوربينات الغاز ذات الدورة المفتوحة، ومحطات الديزل، فضلا عن القيود المتعلقة بجودة الوقود وظروف التشغيل غير الأمثل.

وبناء على ذلك، لا يقتصر التحدي الرئيسي الذي يواجهه القطاع الكهربائي في البلاد على إضافة سعة توليد، لا سيما في الحالات التي من شأنها أن تؤدي فيها السعة الجديدة إلى زيادة الطلب على الوقود. وكما يوضح الجدول 3، فإن كفاءة النظام بأكمله أقل من مستوى أفضل الممارسات الدولية. لذلك ينبغي منح الأولوية الأكبر لتحسين كفاءة النظام وخفض معدلات استهلاك الطاقة والاستهلاك الأمثل لقدرات التوليد الحالية.

جدول 3: تقييم أداء محطات توليد الطاقة في العراق حسب التكنلوجيا المستخدمة لعام 2024

المصدر: تم اعداد الجدول من قبل المؤلف استنادا الى البيانات الحكومية الرسمية والكشوفات الصادرة عن الشركات وتقارير الصناعة المتاحة للجمهور

المصدر: تم اعداد الجدول من قبل المؤلف استنادا الى البيانات الحكومية الرسمية والكشوفات الصادرة عن الشركات وتقارير الصناعة المتاحة للجمهور

الخسائر الفنية وغير الفنية

لا تزال الخسائر الفنية وغير الفنية في شبكات التوزيع في العراق تشكل تحديا هيكليا كبيرا، ولذلك يجب التعامل معها كأولوية في أي برنامج لإصلاح قطاع الكهرباء 6. لقد تبنت حكومة إقليم كردستان هذا النهج من خلال برنامجها "روناكي"، الذي يجمع بين تحسين شبكات التوزيع والتركيب الذكي للعدادات، وتحسين تحصيل الإيرادات وتقليل الاعتماد على مولدات الأحياء السكنية الخاصة. وحتى الآن مكّن البرنامج المناطق المشاركة فيه من الحصول على كهرباء أكثر موثوقية على مدار الساعة.

في عام 2024 بلغ اجمالي الكهرباء المنتجة في العراق حوالي 166 تيراواط في الساعة (Twh) ، ولكن بعد احتساب خسائر التوليد التي تبلغ حوالي 4 تيراواط وخسائر النقل التي وصلت الى 12 تيراواط في الساعة انخفضت الكهرباء الداخلة الى نظام التوزيع الى حوالي 149 تيراواط في الساعة من هذه الكمية ثم تم بيع 67 تيراواط فقط من قبل مديريات التوزيع للمستهلكين، فيما فُقد حوالي 82 تيراواط في الساعة على مستوى التوزيع.

الشكل 1: خسائر توليد وتوزيع الكهرباء في العراق 2024

المصدر: حسابات المؤلف وتقييمه بناءا على بيانات وزارة الكهرباء

المصدر: حسابات المؤلف وتقييمه بناءا على بيانات وزارة الكهرباء

تتبين الأرقام في الشكل 1 أن خسائر توزيع الكهرباء وحدها تشكل ما يقرب من نصف إجمالي الكهرباء المنتجة وأكثر من 55٪ من الكهرباء التي تدخل شبكة التوزيع. ونتيجة لذلك فإن معالجة هذه الخسائر أمر مهم بقدر أهمية إضافة قدرة توليد جديدة.

 ارتفاع الطلب على الكهرباء يرفع الضغط على المنظومة

من المتوقع أن يستمر الطلب على الكهرباء في العراق في الارتفاع بسرعة على المدى الطويل بسبب نمو السكان والتحضر والتوسع الاقتصادي 7. ووفقا لوكالة الطاقة الدولية سيحتاج العراق إلى قدرة توليد تبلغ 68 جيجاوات بحلول عام 2030، حيث تعتمد هذه الحاجة على سيناريوهات النمو الاقتصادي والإصلاحات 8. وفي الوقت نفسه يمكن للإصلاحات نفسها أن تؤثر على نمو الطلب في المستقبل، فاعتماد أنظمة فوترة افضل من الموجودة حاليا وإصلاح التعريفات وإدارة الطلب، وتقليل سرقات الكهرباء يمكن أن تحسن الكفاءة وتحد من نمو الاستهلاك في المستقبل.

الشكل2: ذروة الطلب المتوقع على الكهرباء في العراق بين 2010-2040

المصدر: حسابات وتقييم المؤلف

المصدر: حسابات وتقييم المؤلف

ومن المتوقع أن يؤدي تغير المناخ وزيادة الطلب على التبريد إلى ارتفاع الطلب على الكهرباء بشكل كبير، كما يوضح الشكل 3. فارتفاع درجات الحرارة يؤدي بشكل مباشر إلى زيادة الطلب على التبريد في القطاعات السكنية والتجارية والعامة، مما يسهم في ارتفاع استهلاك الحمل الأساسي وزيادة حدة ذروة الطلب في فصل الصيف. حيث سيصبح تغير المناخ أحد الدوافع الرئيسية لطول مدة موجات الحرارة في الصيف وارتفاع درجاتها 9.

 الشكل 3 : المتوسط الحسابي لدرجة حرارة الهواء السطحي وفق السيناريو الافتراضي

المصدر: حسابات وتقييم المؤلف

المصدر: حسابات وتقييم المؤلف

الاعتماد على الغاز وانعدام أمن الوقود

ارتفع الطلب على الغاز الطبيعي الذي يُستخدم بشكل أساسي لتوليد الكهرباء من 6.8 مليار متر مكعب سنويا عام 2015 إلى 23 مليار متر مكعب سنويا في عام 2025. ولا يزال الغاز الإيراني مصدرا حيويا لتلبية هذا الطلب، حيث يمثل أكثر من 40% من الوقود المستخدم في قطاع توليد الكهرباء في العراق. ومع ذلك فقد تدهورت موثوقية هذه الإمدادات بشكل كبير في الآونة الأخيرة فبعدما بلغت واردات الغاز الإيراني ذروتها عند 10 مليار متر مكعب في عام 2023، انخفضت الشحنات في عام 2025 بسبب مجموعة من العوامل اهمها ارتفاع الطلب المحلي في إيران، وانقطاعات الإمدادات المتكررة، والقيود المفروضة على دفع ثمن الغاز بسبب العقوبات الأمريكية على المعاملات المالية الإيرانية 10 .

في مارس 2026 توقفت صادرات الغاز الإيرانية إلى العراق تماما بسبب الحرب مما أدى إلى خسارة أكثر من 3,000 ميغاواط من طاقة التوليد الكهربائي، وعلى الرغم من استئناف الإمدادات جزئيا بعد ذلك بوقت قصير، فقد ظلت التدفقات محدودة عند حوالي 5 ملايين متر مكعب يوميا، مقارنة بالمستويات السابقة قبل الحرب التي بلغت حوالي 35 مليون متر مكعب يوميا.3

وبحلول أبريل 2026، أكدت وزارة الكهرباء بأن الإمدادات إلى المحافظات الجنوبية قد توقفت تماما، في حين ظلت الإمدادات إلى المنطقة الوسطى منخفضة بشكل كبير الامر الذي دفع الوزارة الى زيادة الاعتماد على أنواع الوقود البديلة من أجل الحفاظ على تشغيل وحدات توليد محددة تعمل بالغاز 4 .

ومن غير الواضح كيف ستؤثر عملية إعادة إعمار إيران بعد الحرب على إمدادات الغاز هذه، فمن الناحية التاريخية لطالما أثرت ديناميكيات السوق المحلية الإيرانية على إمدادات الكهرباء والغاز الإيراني إلى العراق.

       الشكل 4: صادرات الغاز الإيراني الى العراق بين عامي 2017 – 2025

المصدر: حسابات وتقييم المؤلف

المصدر: حسابات وتقييم المؤلف

في مارس 2026 توقفت صادرات الغاز الإيراني إلى العراق بالكامل، مما أدى إلى فقدان أكثر من 3000 ميغاواط من القدرة التوليدية. وعلى الرغم من استئناف الإمدادات جزئيا بعد ذلك بوقت قصير، إلا أن التدفقات ظلت محدودة بنحو 5 ملايين متر مكعب يوميا، مقارنة بالمستويات السابقة البالغة حوالي 35 مليون متر مكعب في اليوم 11. وبحلول أبريل 2026 أكدت وزارة الكهرباء العراقية أن الإمدادات إلى المحافظات الجنوبية في البلاد توقفت تماما، بينما بقيت الامدادات إلى المنطقة الوسطى منخفضة بشكل كبير حيث تسببت هذه الانقطاعات من الوزارة بزيادة الاعتماد على الوقود البديل للحفاظ على وحدات التوليد الغازية قيد التشغيل12.

اما اليوم فمن غير الواضح كيف سيؤثر إعادة الإعمار الإيراني بعد الحرب على إمدادات الغاز هذه. ففي السابق كانت ديناميكيات السوق المحلية في إيران تؤثر دائما على إمدادات الغاز والكهرباء الإيراني إلى العراق. وإذا بقيت المخاطر الجيوسياسية مرتفعة قد ينخفض إنتاج الغاز داخل العراق أيضا لا سيما في حال استمرار تَعطّل الشحن عبر مضيق هرمز.

 في آذار 2026 تم تقييد الملاحة عبر مضيق هرمز وهذا الاجراء اوقف صادرات العراق من النفط الخام وفرض ضغوطا كبيرة على سعة التخزين13. لذلك أعلن العراق حالة القوة القاهرة على الحقول النفطية التي تشغّلها الشركات الأجنبية وخفض إنتاج النفط في الجنوب مع إعادة توجيه الكميات المتاحة من الخام حيثما أمكن إلى المصافي المحلية، وبما ان جزءا كبيرا من غاز العراق ينتج كغاز مصاحب من حقول النفط، فإن انخفاض إنتاج النفط الخام أدى بدوره الى تقليل توفر الغاز المحلي.

وزارة الكهرباء الاتحادية في العراق أفادت في نيسان 2026 أن إنتاج الغاز المحلي انخفض بأكثر من 50% 14. مما تسبب في تأثير مزدوج تمثل بانخفاض عائدات التصدير وتقليل الغاز الخام المرافق لعملية التكرير وبالتالي أثر على توليد الطاقة وزاد من صعوبة توفر الوقود لقطاع الكهرباء 15. و لا يزال العراق اليوم واحدا من أكبر الدول التي تقوم بحرق الغاز المصاحب للنفط في العالم، رغم الاتفاقيات والمشاريع المتعاقبة التي تهدف إلى خزن ومعالجة الغاز المصاحب 16. وهناك العديد من المبادرات الجارية لتقليل الحرق وزيادة استرداد الغاز المحلي، بما في ذلك الجهود التي تبذلها شركة البصرة للغاز، ومشروع النمو المتكامل للغاز التابع لشركة توتال إنرجيز، فضلا عن مشاريع استرداد الغاز المرتبطة بشركة بيكر هيوز، والمشاريع الميدانية الخاصة بحقل الحلفاية ونهر بن عمر والغراف والناصرية والفيحاء 17. ومع ذلك فإن تحقيق الهدف بالقضاء على حرق الغاز المصاحب بحلول عام 2028 يبدو طموحا جدا إذا ما نظرنا إلى حجم الحرق الحالي ومساره، فضلا عن القيود المتعلقة بالبني التحتية وصعوبات التمويل والتنفيذ التي تواجه هذا القطاع (الجدول 4)

  جدول 4: المشاريع الرئيسية لاستخدام الغاز والحد من حرقه في العراق             المصدر: تم تجميع المعلومات من قبل المؤلف بناءا على البيانات الحكومية الرسمية وتقارير الشركات المتاحة للجمهور

المصدر: تم تجميع المعلومات من قبل المؤلف بناءا على البيانات الحكومية الرسمية وتقارير الشركات المتاحة للجمهور

وفي كردستان وبعدما انتهى توسيع مشروع KM250 في حقل غاز خور مور وصلت الطاقة الإنتاجية المعلنة لمعالجة الغاز في الحقل المذكور الى حوالي 750 مليون قدم مكعب يوميا، أي ما يعادل حوالي 7.7 مليار متر مكعب سنويا. وإذا تم تزويد محطات توليد الكهرباء الحديثة ذات الدورة المركبة بهذا الحجم من الغاز فمن الناحية النظرية يمكن أن يدعم ذلك توليدا مستمرا للكهرباء يبلغ حوالي 4.5–5 جيجاواط، أي ما يعادل حوالي 40–44 تيراواط ساعة سنويا.

لكن الإنتاج الفعلي للكهرباء سيكون أقل من ذلك بسبب ضعف كفاءة المحطات ومدى توفرها، وقيود معالجة الغاز والنقل، وانقطاع عمليات الاستخراج في الحقل. ويدعم غاز خور مور حاليا توليد ما يقارب 2–2.5 جيجاواط من الطاقة في إقليم كردستان، لكن هذا الرقم يعكس نظام التوليد الحالي وليس الإمكانات النظرية للحقل في تحويل الغاز إلى طاقة 20.

وبحلول عام 2030، من المتوقع أن يرتفع إنتاج العراق المحلي من الغاز إلى حوالي 24 مليار متر مكعب سنويا كما في (الشكل 5). وحتى في حالة تنفيذ جميع مشاريع الغاز المخطط لها، لن يفي الإنتاج المحلي إلا بنحو نصف الاحتياجات التقديرية من الوقود لقطاع توليد الكهرباء. ويُبرز ذلك فجوة واضحة ومستمرة بين قدرة العراق المتنامية على توليد الكهرباء بالغاز وتوافر إمدادات الغاز المحلي.

الشكل 6: الطلب على الغاز الطبيعي وحرق الغاز في العراق بين عامي 2015 - 2025 حيث يشير اللون الأزرق الى الطلب والخط البرتقالي الى حرق الغاز

المصدر: حسابات وتقييم المؤلف

المصدر: حسابات وتقييم المؤلف

استيراد الغاز الطبيعي المسال: خطوة ضئيلة جداً ومتأخرة للغاية

في الآونة الاخيرة حدثت تأخيرات في خطط زيادة استيراد الغاز المسال (LNG) باستخدام وحدة تخزين وإعادة تسييل الغاز باستخدام محطة عائمة (FSRU) مستأجرة في خور الزبير، مما أدى إلى المزيد من القيود على قدرة البلاد على تنويع إمدادات الوقود قبل ذروة الطلب الصيفي في 2026. وكان من المتوقع أن يستورد المشروع، الذي أُعلن عنه في الأصل عام 2022 ثم أُبرم عقده لاحقا مع شركة «إكسيلريت إنيرجي»، ما يقارب 14 مليون متر مكعب من الغاز يوميا، والذي يكفي لتوليد ما بين 3,000 و3,500 ميغاواط 21 .

ومع ذلك، فقد تم تأجيل تنفيذه الآن حتى عام 2027. وأكدت شركة "إكسيليريت إنيرجي" أن وحدة "أكاديا" العائمة لتخزين وإعادة تحويل الغاز(FSRU)، التي كانت مخصصة في الأصل للعراق تم نشرها مؤقتا في الأردن بموجب اتفاقية مدتها تسعة أشهر مع شركة "نيبكو" في العقبة 22.

ومن المتوقع أن يكون الغاز الطبيعي المسال المستورد باهظ الثمن. وعلى سبيل المثال تقدَر تكلفة الغاز الإيراني بين 9.20 و9.50 دولار أمريكي تقريبا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية (MMBtu)، اعتمادا على سعر نفط برنت بما في ذلك تكاليف النقل عبر الأنابيب استنادا إلى أسعار شباط 2026. وبالمقارنة، فإن التكلفة الافتراضية لنفس وحدة الغاز الموردة عبر منصة إعادة التحويل العائمة (FSRU) للغاز الطبيعي المسال في البصرة لنفس الشهر قد تصل إلى حوالي 22 دولارا أميركيا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، أو ما يزيد عن ضعف سعر الغاز الإيراني.

صدمات متعددة أخرى

 ستتضاعف أزمة الكهرباء أثناء ذروة الطلب بسبب عدة انتكاسات كبرى تحدث في نفس الوقت تقريباً.

تأخر مشروع الربط الكهربائي مع مجلس التعاون الخليجي (GCCIA)

ويبدو ان أزمة الكهرباء خلال ذروة الطلب ستتفاقم بشكل كبير بسبب انتكاسات كبيرة تحدث في مدة متقاربة حيث أبلغت هيئة الربط الكهربائي لمجلس التعاون الخليجي (GCCIA)، التي تربط شبكات الكهرباء في جميع أنحاء المنطقة، العراق بأن مشروع الربط الكهربائي عبر الكويت لم يدخل حيز التشغيل كما كان مخططا في أوائل عام 2026. وقد تتأخر المرحلة الأولى التي من المتوقع أن توفر 500 ميغاواط، حتى أواخر عام 2026 أو ربما حتى عام  2027 23.

ضمن مشروع دول مجلس التعاون الخليجي الشكل 6: الخط الرابط بين الفاو (العراق)- والعبدلي (الكويت)

المصدر: خارطة البنى التحتية المفتوحة

المصدر: خارطة البنى التحتية المفتوحة

لم يكن أحد يتوقع أن يحل الربط الكهربائي بين الفاو في العراق والعبدلي في الكويت ضمن آليات التعاون في مجلس التعاون الخليجي أزمة نقص الكهرباء في العراق، إلا أنه كان من الممكن أن يوفر دعما مهما لشبكة الكهرباء الجنوبية خلال فترة الذروة الصيفية، وخاصة في البصرة، حيث من المتوقع أن تتجاوز درجات الحرارة 50°C.

ويعود التأخير في تنفيذ المشروع أساسا إلى التوترات السياسية والأمنية الإقليمية، التي تؤثر على أعمال التنفيذ في العراق والكويت. وقد أشارت بعض التقارير أيضا إلى قيود السيولة المالية في العراق، بما في ذلك الحاجة لتسوية التكاليف المتعلقة بالمشروع قبل البدء بتزويد العراق بالكهرباء 24.

تعليق الربط الكهربائي بين العراق وتركيا 

بدأ تشغيل الربط الكهربائي بين العراق وتركيا في يوليو 2024 بسعة أولية تبلغ 300 ميجاوات، وكان من المتوقع أن يرتفع إلى 600 ميجاوات في المرحلة الثانية. ومع ذلك، تشير التقارير الأخيرة إلى أن الربط الكهربائي تم تعليقه منذ سبتمبر 2025، ويُقال إن السبب هو دين متأخر السداد، ولم يصدر أي اعلان رسمي حول الموضوع من الحكومة العراقية 25. لكن تقارير غير مؤكدة اشارت إلى أن العراق اقترح تسوية جزء من دينه مقابل الكهرباء المستوردة من تركيا من خلال التبادل النفطي.

في أغسطس 2025، وصلت سفينة الكهرباء التركية كارادينيز أورهان علي خان إلى ميناء أم قصر في البصرة بموجب اتفاق قصير الأمد مع شركة كار باور-شيب لتزويد شبكة الكهرباء العراقية بالطاقة الطارئة. وتؤكد التقارير المعلنة أن التعاقد على السفن الكهربائية كان يشمل 590 ميجاوات باستخدام سفينتين، مع الإشارة لاحقًا إلى أن أورهان علي خان أضافت حوالي 300 ميجاوات للشبكة 26. ومع ذلك، يبدو أن التكاليف التي تم تخمينها والمتعلقة بالاتفاقية تستند إلى تقارير غير مؤكدة أو تقديرات القطاع بدلا من مستندات العقد المعلنة، وتشمل التعرفة التي تبلغ حوالي 0.15 دولار أمريكي لكل كيلوواط ساعة، والتكلفة المقدرة بحوالي مليون دولار أمريكي في اليوم لما يقرب من 315 ميجاوات، والادعاء بأن السفن تستهلك حوالي 1400 طن من وقود الديزل الثقيل في اليوم. لذلك يجب تقديم هذه الأرقام على أنها تقديرات، وليس بنودا تعاقدية مؤكدة.

الطاقة الكهرومائية يمكن أن تساعد

يمكن للطاقة الكهرومائية أن توفر دعما موسميا مهما لنظام الكهرباء في العراق، خاصة خلال فترات ذروة الطلب عليها، فبعد سنوات من الجفاف وتراجع التدفقات من تركيا، أدى ارتفاع مستويات المياه وتحسن نوعيتها في نهري دجلة والفرات إلى زيادة القدرة المحتملة لمساهمات محطات الطاقة الكهرومائية الكبرى، والتي تشمل الأصول الرئيسية للكهرباء المائية في العراق مثل سد الموصل وحديثة و دوكان و دربندخان ومحطات أصغر أخرى. وتصل القدرة المركبة الإجمالية لها إلى أكثر من 2200 ميغاواط. ومع أن هذه القدرة لا تستطيع حل عجز الكهرباء بشكل كامل، إلا أنها يمكن أن تساعد في تقليل الضغط على محطات توليد الكهرباء التي تعمل بالغاز والوقود، شريطة أن يتم تنسيق إطلاق المياه بعناية مع متطلبات الري والمياه الصالحة للشرب والأمن المائي بشكل عام.

جدول 5: محطات الطاقة الكهرومائية في العراق

المصدر: استند المؤلف في اعداد هذا الجدول الى البيانات الحكومية الرسمية وتقارير الشركات المتاحة للجمهور

الخلاصة

إن أزمة الكهرباء في العراق لم تعد تتعلق بمسألة زيادة قدرات التوليد فحسب، بل هي تعكس ضعفا هيكليا أعمق في أمن الوقود، وكفاءة النظام وخسائر الشبكة والتخطيط الاستثماري و الحوكمة المؤسسية.

لقد كشفت التقلبات الإقليمية الأخيرة عن أخطار الاعتماد على الغاز المستورد وتأجيل مشاريع البنى التحتية، وان بناء قطاع كهرباء قادر على التحمل لا يتطلب توسيع إنتاج الغاز المحلي وزيادة القدرة التوليدية فحسب، بل تحسين الكفاءة، وتقليل الخسائر، وتنويع مصادر الوقود، وتسريع الإصلاحات طويلة الأمد في السوق والحكم الرشيد، فبدون هذه الإجراءات ستستمر أزمة الكهرباء في العراق في الظهور بشكل متكرر صيفا.

المصادر والحواشي:

[1] Iraqi News, “Iraq Plans to Generate 30,000 Megawatts of Electricity in Summer,” April 23, 2026, https://www.iraqinews.com/iraq/iraq-plans-to-generate-30000-megawatts-of-electricity-in-summer.

[1] Iraqi News Agency (INA) (October 2, 2025). وزير الكهرباء: خطة استراتيجية لحل مشكلة الطاقة بشكل جذري. Available at: Iraqi News Agency. https://ina.iq/ar/economie/227726--.html

[1] The annual operational and investment budgets of the Ministry of Electricity during 2023–2025 accounted for 7.8% of the total federal budget, excluding fuel costs.

[1] The annual operational and investment budgets of the Ministry of Electricity during 2023–2025 accounted for 7.8% of the total federal budget, excluding fuel costs.

[1] Using approximate 2024 international market prices for power-generation fuels.

[1] Technical and non-technical losses mean illegal connections, weak metering, billing gaps, and low collection rates, and are broadly equivalent to the net electricity sold to consumers.

[1] Iraq’s nominal GDP rose from about 50 billion USD in 2005 to approximately 280 billion USD in 2024, and could exceed 430 billion USD by 2040 under baseline growth assumptions.

[1] International Energy Agency. (2026). Iraq: Electricity. IEA. https://www.iea.org/countries/iraq/electricity

[1] Iraq’s annual mean surface air temperature increased from 22.16°C in 1923 to 23.85°C in 2023. Based on projections under the SSP2-4.5 scenario, the average temperature is projected to reach 24.55°C by 2040, indicating a continued warming trend with implications for cooling loads.

[1] Organization of the Petroleum Exporting Countries. OPEC Annual Statistical Bulletin 2026, 61st edition. Vienna: OPEC, 2026.

[1] Kurdistan24. “Iranian Gas Exports to Southern Iraq Halted, Sparking Energy Supply Concerns.” 4 April 2026. Available at: Kurdistan24(accessed 27 May 2026).

[1] In March 2024, Iraq and Iran signed a five-year gas supply agreement to extend Iranian gas exports to Iraq for use in power generation. Under the agreement, Iran is to supply Iraq with up to 50 million cubic meters of natural gas per day, depending on the requirements of Iraqi power stations, for a period extending to 2029. If mports fell from the contracted/required level of around 50 million cubic meters per day to 5 million cubic meters per day, the lost gas volume would be 45 million cubic meters per day, implying a generation loss of roughly 8–10 GW (Source: Reuters. “Iranian Gas to Iraq Resumes After South Pars Attack, Iraqi State News Agency Says.” 21 March 2026. Available at: Reuters).

[1] Reuters. “Iraq Declares Force Majeure on Foreign-Operated Oilfields Over Hormuz Disruption.” 20 March 2026. Available at: Reuters(accessed 27 May 2026).

[1] Kurdistan24. “Blackouts Loom for Iraq This Summer as Domestic Gas Collapses and Iranian Supply Falls Short.” 27 May 2026. Available at: https://www.kurdistan24.net/en/story/909898/blackouts-loom-for-iraq-this-summer-as-domestic-gas-collapses-and-iranian-supply-falls-short (accessed 27 May 2026).

[1] Iraq used roughly 10–11 bcm/year of treated domestic gas for power generation before the Iran-war disruption, equivalent to about 28–31 million cubic meters per day. In energy terms, this could support approximately 5–6 GW of gas-fired generation continuously, depending on plant efficiency and availability.

[1] The World Bank ranks Iraq among the leading global flaring countries, while the United States Energy Information Administration estimated that Iraq flared around 625 Bcf, or 17.7 bcm, of natural gas in 2023, making it the third-largest flaring country globally (Source: U.S. Energy Information Administration. Country Analysis Brief: Iraq. Washington, DC: U.S. Energy Information Administration (EIA), last updated 14 July 2025).

[1] Iraq Business News. “Iraq Expands Gas Projects to Curb Flaring.” 9 June 2025. Accessed 27 May 2026.  https://www.iraq-businessnews.com/2025/06/09/iraq-expands-gas-projects-to-curb-flaring/

[1] Reuters. “IFC Signs $500 Million Contract with Iraq’s Basrah Gas for Associated Gas, Development of Major Port.Reuters, 13 September 2025.

[1] Bernstein, A., Davis, M., Mitro, T., Perrine, T. (2025). Flaring Case Study: Iraq. New York: Columbia Center on Sustainable Investment (CCSI) and Capterio, June.

[1] Currently, approximately 630 million standard cubic feet of gas per day (MMscf/d) is produced and utilised at Khurmala, equivalent to about 6.5 bcm annually. In addition, around 50 MMscf/d is flared at Khurmala, while a further 18 MMscf/d is flared from other sources. Including the flared volumes, total gas production amounts to approximately 698 MMscf/d, or about 7.2 bcm annually. However, only around 6.5 bcm per year is currently available for productive use, while approximately 0.7 bcm is lost through flaring.

[1] The vessel has a technical regasification capacity of approximately 30 million cubic meters per day, although Iraq’s contracted import volumes are lower.

[1] GIIGNL (2026). Excelerate to deploy newbuild FSRU in Jordan. Available at: GIIGNL – Excelerate to deploy newbuild FSRU in Jordan

[1] Salem, A. (2026, May 12). Iraq’s electrical interconnection with the Gulf States has been postponed. Iraqi News. https://www.iraqinews.com/iraq/iraqs-electrical-interconnection-with-gulf-states-postponed

[1] Arabic21. “حرب إيران وتعثُّر الربط الخليجي يشعلان صيف العراق ويفاقمان العجز الكهربائي” [“Iran War and Delays to the Gulf Interconnection Inflame Iraq’s Summer and Worsen the Electricity Deficit”]. 23 May 2026.

[1] Reports indicate that Turkey halted electricity exports to Iraq over unpaid dues, with one Al-Monitor report putting the outstanding bill at more than 70 million USD. However, the figure has not been publicly confirmed by Iraqi or Turkish authorities (Source: Al-Monitor. (2025, April). Turkey stops electricity sales to Iraq after Baghdad fails to settle $70M+ bill, Al-Monitor. https://www.al-monitor.com/originals/2025/04/turkey-stops-electricity-sales-iraq-after-baghdad-fails-settle-70m-bill)

[1] Reuters. (2025, August 21). Turkey’s Karpowership to supply Iraq with up to 590 MW electricity. TradingView. https://www.tradingview.com/news/reuters.com%2C2025%3Anewsml_L8N3UC020%3A0-turkey-s-karpowership-to-supply-iraq-with-up-to-590-mw-electricity/