يُعد نظام دعم الطاقة في العراق أحد أكبر الأنظمة وأكثرها استمرارية في الشرق الأوسط. فعلى مدى عقود — وبإلحاح متجدد منذ تغيير النظام في عام 2003 — دار نقاش متكرر بين صانعي السياسات والاقتصاديين والمؤسسات الدولية حول تكلفة هذا النظام ومدى عدالته وتأثيره المقصود، لكن ذلك النقاش لم يسفر عن إصلاحات حقيقية.
تخصص الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان حصة كبيرة من الموارد العامة لدعم منتجات الوقود والكهرباء. والسبب الرسمي معروف وهو الحفاظ على أسعار الطاقة في متناول الجميع وحماية ميزانيات الأسر متوسطة الدخل وتوفير عائد ملموس للمواطنين من ثروة النفط في البلاد. وهذه أسباب مشروعة، لكن النظام بالشكل الذي يعمل به اليوم ليس كفؤا ولا عادلا.
وتتميز إعانات الطاقة في العراق بطابعها الشامل والثابت بشكل كبير فهي تُمنح للأفراد والمؤسسات بغض النظر عن مستوى الدخل أو القطاع الاقتصادي أو الحاجة الاجتماعية، وهو ما جعل الأسرة الميسورة التي تستهلك كميات كبيرة من الوقود والكهرباء تتلقى دعما أكبر بكثير نسبيا من الأسرة ذات الدخل المنخفض والتي تتميز باستهلاكها المنخفض، ولا يوجد استهداف لفئة محددة او شفافية واضحة لذلك الدعم، كما أن الآليات المتاحة لإعادة توجيهه نحو من هم في أمس الحاجة إليه ضعيفة جدا.
لكن لماذا نطرح هذه المسألة الآن في الوقت الذي يتعرض فيه الاقتصاد العراقي لضغوط حادة ناجمة عن الصراع الإقليمي؟ الجواب هو بالضبط بسبب هذا التحدي، إذ ان مسألة الدعم الحكومي ليست جديدة، لكن لا ينبغي الخلط بين الإلمام بها وعدم اهميتها. فعندما تنخفض عائدات النفط بأكثر من 80% في شهر واحد فقط حينها يتعين على الحكومة أن تواجه التقلص السريع في خياراتها المالية، التي تعيقها جزئيا تكاليف الإعانات الضخمة وغير الموجهة فاتورتها 1.
ويمثل نظام الدعم الحكومي تعبيرا أكثر دقة عن الضعف الهيكلي ذاته الذي كشف عنه الصراع الإقليمي المستمر: فالعبء المزمن يزيد من الضغط المالي في الوقت الذي تكون فيه الدولة أقل استعدادا لاستيعابه. وللحفاظ على الوضع الراهن، تضطر الحكومة إلى الاقتراض لشراء الكهرباء والغاز والبنزين عالي الجودة ثم تبيعها بعد ذلك بأسعار مخفضة لا تتوافق مع أسعار السوق. وسيستمر هذا النظام في استنزاف الموارد الوطنية وخلق أرضية خصبة للهدر والفساد ما لم يتم إجراء إصلاح حقيقي يستهدف المستفيدين من الدعم بشكل أفضل، ويعزز المساواة، ويعيد توجيه الدعم نحو القطاعات المنتجة للوظائف بدلا من الاستهلاك العشوائي.
تستعرض الأرقام التالية حجم وهيكل إعانات الطاقة في العراق: ما تكلفه هذه الإعانات للميزانية وللاقتصاد ككل، وكيف يقارن العراق مع نظرائه في المنطقة. ويعتمد هذا التحليل على قاعدة بيانات 2 صندوق النقد الدولي الخاصة بإعانات الوقود الأحفوري، التي تغطي أكثر من 160 دولة وتجمع بين بيانات أسعار الطاقة والاستهلاك والضرائب والتكاليف البيئية. وهناك تمييز رئيسي يظهر في جميع أجزاء التحليل، حيث يعكس "الدعم الصريح" التكاليف المالية المباشرة، أو الأموال التي تنفقها الحكومة أو تتنازل عنها لإبقاء أسعار الطاقة أقل من تكلفة العرض الحقيقية، بينما يعكس "الدعم الضمني" التكاليف الاقتصادية والاجتماعية الأوسع نطاقا والتي لا تظهر أبدا في الميزانية، بما في ذلك الأضرار البيئية، والتأثيرات الصحية، ونقص الضرائب المفروضة على الوقود الأحفوري. ويكشف هذان النوعان من الدعم معا عن عبء أكبر بكثير مما تشير إليه أرقام الإنفاق الرسمية.
الشكل 1: دعم الوقود الاحفوري في العراق بين عامي 2015 – 2025 (كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي)

المصدر: الشكل اعلاه مقتبس من صندوق النقد الدولي الخاصة بدعم الوقود الاحفوري ،بيانات عام 2024 و 2025 ، ويشير الى توقعات متوسطة المدى وليست ارقاما تاريخية ، بحسب الموقع الالكتروني
لم يكن الإنفاق العراقي على الدعم الصريح كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي بندا هامشيا على الإطلاق. فعلى مدار العقد الماضي، تقلبت هذه النسبة تبعا لدورات أسعار النفط، لكنها نادرا ما انخفضت إلى مستويات يمكن وصفها بأنها انحراف عن المعدل المعتاد. وهي تمثل مؤشراً على الأولويات الثابتة لحكومة تواجه ضغوطا مزمنة على الأجور والبنى التحتية والخدمات العامة.
وبين عامي 2017 و2022، تضاعف الدعم الحكومي الصريح للوقود الأحفوري ثلاث مرات تقريبا كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، حيث ارتفعت من حوالي 1.5% إلى أكثر من 5.5% ، وهو أكبر ارتفاع حاد في السلسلة المبينة بالشكل1 لأسباب تتعلق ببلوغ عائدات النفط ذروتها في عام 2022، لكن هذه النسبة تراجعت لاحقا واستقرت عند حوالي 2.9% من الناتج المحلي الإجمالي بين عامي 2024 و2025. ويشير بقاء الإعانات فوق مستويات ما قبل عام 2018 حتى خلال المدة التي كانت فيها وفرة نسبية في العائدات إلى ترسيخ هيكلي وليس إلى تقلبات دورية: فالتخفيف المالي عندما حدث لم يترجم إلى إصلاح هادف لاحقا.
________________________________________________
3- المصدر ذاته
الشكل 2: دعم الوقود الاحفوري في العراق بين عامي 2015-2025 (بالدولار الأميركي بحسب أسعار 2021)

المصدر: قاعدة بيانات صندوق النقد الدولي الخاصة بدعم الوقود الاحفوري ،الحسابات والرسم البياني من اعداد فريق تحرير المجلة، اما البيانات الخاصة بعامي 2024 و2025 فهي توقعات متوسطة الاجل ، وليست ارقاما تاريخية.
وباستخدام القيمة الحقيقية للدولار، يُظهر الإنفاق العراقي على الدعم الصريح نمطا كلاسيكيا متوافقا مع الدورة الاقتصادية: حيث يتوسع الإنفاق خلال فترات ارتفاع عائدات النفط — لا سيما في الفترة بين 2018–2019 ثم توسع مجددا في الفترة بين 2022–2024 — بدلا من أن يظل ثابتا أو على الأقل ينخفض عندما يتحسن الوضع المالي. وبدلا من توظيف الإيرادات غير المتوقعة التي زادت في الأعوام المذكورة لبناء مدخرات أو دفع عجلة الإصلاح الهيكلي، سمحت الحكومة للإنفاق على الدعم بأن يتزايد مع ارتفاع الدخل، مما رسخ نظاما أصبح من الصعب التخلص منه سياسيا كلما طال أمده.
وقد بلغ الدعم الصريح للطاقة في العراق حوالي 14.5 مليار دولار أميركي في عام 2022 ح ، ثم تراجع إلى حوالي 8 مليارات دولار أميركي بحلول عام 2025، أي قرابة ثلاثة أضعاف مستوى عام 2016 البالغ 1.8 مليار دولار أميركي. وتشكل إعانات النفط باستمرار الحصة الأكبر من الدعم، بينما يلعب دعم الكهرباء دورا ثانويا، ولكنه ليس تافها. إن فشل هذا الإنفاق في العودة إلى مستويات ما قبل عام 2018 على الرغم من انخفاض أسعار النفط في الفترة 2023–2025 يؤكد مدى صعوبة التراجع عن دعم الأسعار بمجرد اقراره بسبب حساسية الموضوع سياسيا.
_____________________________
4-المصدر ذاته
الشكل 3: اجمالي الدعم للوقود الاحفوري الصريح والضمني مجتمعان (بعملة الدولار الأميركي، وبأسعار عام 2021)

المصدر: قاعدة بيانات صندوق النقد الدولي الخاصة بدعم الوقود الاحفوري ،الحسابات والرسم البياني من اعداد فريق تحرير المجلة، اما البيانات الخاصة بعامي 2024 و2025 فهي توقعات متوسطة الاجل ، وليست ارقاما تاريخية.
وباستخدام القيمة الحقيقية للدولار، يُظهر الإنفاق العراقي على الدعم الصريح نمطا كلاسيكيا متوافقا مع الدورة الاقتصادية: حيث يتوسع الإنفاق خلال فترات ارتفاع عائدات النفط — لا سيما في الفترة بين 2018–2019 ثم توسع مجددا في الفترة بين 2022–2024 — بدلا من أن يظل ثابتا أو على الأقل ينخفض عندما يتحسن الوضع المالي. وبدلا من توظيف الإيرادات غير المتوقعة التي زادت في الأعوام المذكورة لبناء مدخرات أو دفع عجلة الإصلاح الهيكلي، سمحت الحكومة للإنفاق على الدعم بأن يتزايد مع ارتفاع الدخل، مما رسخ نظاما أصبح من الصعب التخلص منه سياسيا كلما طال أمده.
وقد بلغ الدعم الصريح للطاقة في العراق حوالي 14.5 مليار دولار أميركي في عام 2022 ح ، ثم تراجع إلى حوالي 8 مليارات دولار أميركي بحلول عام 2025، أي قرابة ثلاثة أضعاف مستوى عام 2016 البالغ 1.8 مليار دولار أميركي. وتشكل إعانات النفط باستمرار الحصة الأكبر من الدعم، بينما يلعب دعم الكهرباء دورا ثانويا، ولكنه ليس تافها. إن فشل هذا الإنفاق في العودة إلى مستويات ما قبل عام 2018 على الرغم من انخفاض أسعار النفط في الفترة 2023–2025 يؤكد مدى صعوبة التراجع عن دعم الأسعار بمجرد اقراره بسبب حساسية الموضوع سياسيا.
_____________________________
4-المصدر ذاته
الشكل 3: اجمالي الدعم للوقود الاحفوري الصريح والضمني مجتمعان (بعملة الدولار الأميركي، وبأسعار عام 2021)

المصدر: قاعدة بيانات دعم الوقود الاحفوري التابعة لصندوق النقد الدولي ، الحسابات والتصورات من اعداد فريق تحرير المجلة،اما البيانات الخاصة بعامي 2024 و2025 فهي من توقعات متوسطة المدى.
ليست جميع تكاليف الدعم الضمني متماثلة. فلا يظهر أي من مكوناتها الرئيسية — مثل تلوث الهواء، والاحتباس الحراري، وازدحام الطرق، وحوادث المرور، وتلف الطرق، والتقصير الفعلي في فرض الضرائب على منتجات الوقود — في أسعار الطاقة، ومع ذلك تتحملها جميعها الأسر العراقية والشركات والمؤسسات العامة. وهذا الأمر مهم عند تصميم السياسات، حيث تتطلب الفئات المختلفة استجابات متنوعة فيما يتعلق بتنظيم الانبعاثات، وفرض الضرائب على الوقود، والاستثمار في النقل، والإنفاق على الصحة العامة. وإذا ما نظرنا إلى هذه العوامل مجتمعة، فإنها تبين أن عواقب انخفاض أسعار الطاقة تتجاوز نطاق وزارة المالية بكثير.
ويوضح الشكل 4 أن الآثار الخارجية المرتبطة بالنفط وتكاليف الاحتباس الحراري تشكل معظم عبء الدعم الضمني الذي تقدمه الحكومة في العراق، حيث وصل كل منهما بين 10 مليار دولار أمريكي إلى 23 مليار دولار أمريكي سنويا بحلول عام 2025، بينما كان تلوث الهواء المحلي ثالث أكبر فئة وأسرعها نموا. وهذا الارتفاع في استخدام المركبات وتوليد الطاقة في العراق أدى الى تلف الطرق وازدحامها، و في الواقع تبقى هذه العوامل هامشية نسبيا حيث تشير هيمنة الفئتين الأوليين إلى أن مشكلة الدعم الضمني في العراق في جوهرها تمثل فجوة في تسعير الكاربون: فالبلد لا يفرض فعليا أي رسوم على الأضرار المناخية المترتبة على استهلاكه للوقود.
ان أرقام الدعم الضمني هي تقديرات تستند إلى نماذج مستمدة من قاعدة بيانات "دعم الوقود الأحفوري" التابعة لصندوق النقد الدولي، وليست بيانات مالية 5 تمت ملاحظتها بشكل مباشر، وهي تتضمن تقديرات الصندوق نفسه للتكلفة الاجتماعية للكاربون، والأضرار الناجمة عن التلوث المحلي، وتكاليف الازدحام المروري — وجميعها أمور قابلة للنقاش بشكل معقول — وبالنسبة للعراق تهيمن نقطتي الاحتباس الحراري والتقصير في فرض الضرائب على المشهد، مما ينتج عنه أرقام إجمالية قد تبدو كبيرة جدا مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي.
الشكل 5 : دعم الوقود الاحفوري الصريح كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، في العراق والدول الإقليمية

االمصدر: قاعدة بيانات اعانات الوقود الاحفوري التابعة لصندوق النقد الدولي ، الحسابات والتصور من اعداد فريق تحرير المجلة، اما بيانات عامي 2024 و2025 فهي توقعات متوسطة المدى
وبالمقارنة مع جيران العراق والدول المصدرة للنفط والمماثلة له في المنطقة يقع عبء الدعم الصريح في البلاد في الترتيب ضمن مجموعة مزدحمة. فهو يتجاوز عبء الدعم في عُمان، لكنه أقل من عبء الدعم في إيران والجزائر والمملكة العربية السعودية، وبنسبة تبلغ حوالي 2.9% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025. ويقل عن متوسط دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الذي يبلغ حوالي 4%، وعن متوسط الدول المصدرة للنفط الذي يبلغ حوالي 3.1%، كما أنه أقل بكثير من الرقم الاستثنائي للجزائر البالغ 9.5 % .
قد يبدو هذا الموقف النسبي مطمئنا لكنه معيار ضعيف ايضا، فقرب العراق من المركز المتوسط في منطقة تتسم بوجود إعانات مالية ضخمة لا يبعث على الارتياح ابدا، أما القراءة الأكثر فائدة فهي تلك التي تركز على إمكانات الإصلاح: فقد نفذت عدة دول مجاورة للبلاد برامج لترشيد الدعم وبدرجات متفاوتة من النجاح وهو ما يمثل سوابق توضح ما الذي يمكن ان ينجح او يفشل وما هي الشروط السياسية اللازمة لاستدامة التغيير.
________________________________________
5-باري، أيان، سيمون بلاك، ونيت فيرنون "قصور في تحديد أسعار الطاقة: تحديث عالمي وقومي بشأن اعانات الوقود الاحفوري". ورقة عمل مقدمة الى صندوق النقد الدولي 236 /21/ WP. واشنطن العاصمة ، صندوق النقد الدولي 2021