تاريخيا، لم يكن الشرق الأوسط من الأولويات الكبرى للصين، لكن الوضع تغير لاحقا وزاد نفوذ الصين بشكل ملحوظ خلال العقد الماضي في البلاد، ويبدو ان هذا التوجه سيستمر مستقبلا، فالعراق يشكل عنصرا حاسما في استراتيجية الصين اليوم، فهو يتمتع بقدرات اقتصادية كبيرة وإمكانات تنموية هائلة، فضلا عن قدرة بغداد في التأثير على جيرانها. والأهم من ذلك بروزه عن غيره من دول المنطقة بفضل اقتصاده ومشهده السياسي المفتوحين نسبيا ووضعه الاجتماعي والسياسي المعقد والمنقسم.
تتيح هذه السمات مجتمعة للصين التوغل في المجال السياسي وتطوير العلاقات بين الأحزاب والتفاعل المباشر مع المنظمات المحلية. وعلى الصعيد الاقتصادي، تمكنت الصين أيضا من بناء علاقات مع الشركات المحلية والشركاء الاقتصاديين الفاعلين في جميع أنحاء البلاد.
وتنطلق هذه المقالة من فرضية مفادها أن سياسة الصين في مجال الطاقة في العراق لا يمكن فهمها من خلال إحصاءات إنتاج النفط أو تجارته فحسب، ففي السابق كانت سياسة الصين الإقليمية في الشرق الأوسط تستند على حاجتها إلى الطاقة وأوليات الأمن القومي. اما اليوم فهي تتبنى استراتيجية أوسع نطاقا بكثير تجمع بين الاستثمار التجاري، وتطوير البنى التحتية، والمشاركة الدبلوماسية، والشراكات المؤسسية، وشبكات النخبة. وتعمل هذه الأنشطة المترابطة مجتمعة على تعزيز مكانة الصين على المدى الطويل في العراق.
العلاقات الصينية-العراقية: نبذة تاريخية
إن فهم الاستراتيجية الصينية المعاصرة في البلاد يتطلب دراسة دقيقة حول كيفية تطور هذه العلاقة عبر التاريخ، فالموقف الصيني الحالي في العراق لم يظهر فجأة بعد انتهاء الدكتاتورية البعثية في عام 2003، بل تطور عبر عدة مراحل متميزة، وساهمت كل مرحلة منها في توسيع نطاق الانخراط الصيني داخل البلاد.
عمليا، بدأت العلاقات السياسية الصينية-العراقية في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي عندما انتقل النظام السياسي العراقي من نظام ملكي إلى جمهوري. ومع ذلك لم تنخرط الصين بشكل جدي مع العراق على الصعيد الاقتصادي إلا بعد ذلك التحول بوقت طويل من خلال صفقة أسلحة كان لها أهمية جيوسياسية خلال الحرب الإيرانية-العراقية في ثمانينات القرن الماضي قبل أن تبدأ مشاركتها في قطاع الطاقة خلال فترة العقوبات التي فرضت على العراق في التسعينات.
في ذلك الوقت، كان للصين دافعان اساسيان هما: بيع الأسلحة للحكومات الأجنبية ومواجهة الاتحاد السوفيتي. حيث بدأ الكرملن في تلك الحقبة يتحول عن بغداد ويتجه نحو طهران. وانطلاقا من تفكيره البراغماتي، كان الزعيم الصيني آنذاك دنغ شياو بينغ مستعدا لتسليح بغداد سرا كنوع من التوازن مع الاتحاد السوفيتي ولانتزاع العراق من دائرة نفوذه2.
ولعبت شركة الصناعات الشمالية الصينية ((NORINCO، وهي تكتل صناعي لإنتاج الذخائر ووكيل رئيسي لبيع الأسلحة وتربطها علاقات وثيقة بجيش التحرير الشعبي الصيني (PLA) دورا كبيرا في توطيد تلك العلاقة التي جلبت لاحقا عملة صعبة لبكين3. فمن خلال بيع الأسلحة للعراق تمكنت الصين من احتواء الاتحاد السوفيتي وفتح سوق جديدة والحفاظ على التوازن بين دولتين متعاديتين آنذاك هما العراق وإيران4.
لم تكن هذه الروابط العسكرية المبكرة مهمة فقط لأنها أرست قواعد مهمة لعلاقات ثنائية بين البلدين، بل لأنها أظهرت سلوكا متكررا في الانخراط الصيني: فالمصالح الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية كانت تميل إلى تعزيز بعضها البعض بدلا من العمل بشكل منفصل، وأصبح هذا النهج المتكامل أكثر وضوحا في قطاع الطاقة مع مرور الوقت.
في منتصف التسعينيات بدأت الصين تدخل بنشاط في قطاع النفط العراقي. وفي ذلك الوقت كانت بغداد تعاني بشدة من عقوبات الأمم المتحدة، وفي إطار برنامج "النفط مقابل الغذاء" سمحت الأمم المتحدة للعراق آنذاك ببيع نفط بقيمة 2 مليار دولار أميركي في مدة لم تتجاوز 180 يوما في عام 1996 5. وفي حزيران 1997، تمكنت شركة نورينكو (NORINCO) من خلال علاقاتها مع نظام صدام حسين من توقيع عقد لتقاسم الإنتاج النفطي مدته 22 عاما مع العراق، شاركت فيه شركة النفط الوطنية الصينية (CNPC)وكان الهدف تطوير حقل الأحدب خاصة وان عقوبات الأمم المتحدة المفروضة على بغداد آنذاك تم رفعها 6. إذ قامت كل من شركة النفط الوطنية الصينية (CNPC) وشركة نورينكو (NORINCO) بتأسيس شركة جديدة هي شركة "الواحة" وكان هدفها الأساسي تطوير ذلك الحقل 7.
وتزامنت هذه الخطوة مع التحول الاستراتيجي في سياسة الصين، حيث بدأت في الاستثمار بشكل مكثف في الاقتصاد الأجنبي خارج الحدود، وعرفت هذه الإستراتيجية آنذاك باسم "إستراتيجية الخروج او "走出去战略" باللغة الصينية والتي أوصى بها مؤتمر الخطة الخمسية التاسعة عام 1995. ومن هذا المنظور لم يكن دخول الصين الى قطاع النفط العراقي مجرد قرار تجاري اتخذته شركات فردية، بل هو انعكاس لأولويات وطنية أوسع انطاقا استخدمت الاستثمارات في قطاع الطاقة خارج حدود البلاد كأدوات لتوسيع الوجود الجيوسياسي والاقتصادي الصيني على المدى الطويل في الخارج.
بين صفقات الأسلحة في الثمانينيات وصفقات النفط في التسعينيات تراكمت على العراق ديون ضخمة مستحقة للصين. وبعد سقوط النظام البعثي حثت الحكومة الأميركية "نادي باريس" الذي يضم الدول الدائنة على الموافقة على إصلاح يقضي بشطب 80% من الديون العراقية. وأعربت الحكومة الصينية عن استعدادها لإعادة تقييم الديون المستحقة على بغداد بما في ذلك جميع الديون الحكومية 8. وفي حين استخدمت بكين شروط نادي باريس لإعادة جدولة الديون وبأهداف محددة، فقد فضلت إعادة هيكلة الديون بشكل سري على أساس ثنائي، مما منحها القدرة على تكييف برامجها وفقا لحالات محددة والاستفادة من الأوضاع السياسية العراقية.
وعملت الصين لاحقا على تطوير علاقاتها مع النخبة السياسية بعد مرحلة حكم البعث، ففي عام 2007 دُعي الرئيس العراقي آنذاك جلال طالباني لزيارة بكين. وقبل الزيارة قال طالباني ان هناك ديون بقيمة 8 مليارات دولار أميركي مستحقة للصين على العراق وانه يرغب في طرح الموضوع امام بكين لشطبها 9. ووفقا لجون لي أندرسون وهو صحفي استقصائي ومراسل حربي أميركي، كان طالباني معروفا بحبه للصين ومعجبا صريحا بمفهوم ماو للحرب الشعبية والذي ينطوي على خوض معارك في الجبال ضد الأنظمة القمعية 10.
وقد ساعد هذا النهج الناجح والقائم على "الدفع والجذب" الذي أخذ في الاعتبار اختلاف صانعي القرار الجدد في العراق على إعادة ترسيخ العلاقة مع الصين. وفي وقت لاحق دعت بغداد الشركات الصينية إلى التقدم بعطاءات للحصول على عقود التنقيب عن النفط، وأعادت إحياء اتفاق حقل "الاحدب" الذي تم توقيعه في عهد نظام البعث. وواصل العراق حث الصين على إعفاء العراق من ديونه 11، وانتهى الأمر ببكين إلى شطب الغالبية العظمى من تلك الديون.
لقد ساعد تخفيف عبء الديون في تحقيق هدف هام يتجاوز إعادة الهيكلة المالية الى إعادة بناء الثقة السياسية بين بغداد وبكين، مما أوجد ظروفا سهّلت عودة الصين إلى قطاع الطاقة العراقي وفتحت آفاقا لتعاون اقتصادي أوسع حيث ازدادت هذه الديناميكية في السنوات الأخيرة.
وفي أيار 2024، عقد العراق جولة مشتركة لترخيص النفط والغاز شملت "الجولة الخامسة +" والجولة السادسة. ويجسد هذا الحدث، أكثر من أي شيء آخر طبيعة العلاقة النفطية الصينية-العراقية المعاصرة. واستمرت الجولة ثلاثة أيام دعت خلالها الحكومة العراقية شركات النفط الدولية لتقديم عطاءات على 29 مشروعا. إذ تفوقت شركات النفط الصينية في عروضها على العديد من منافسيها، بما في ذلك الشركات الغربية وفي النهاية، تم منح ثلاثة عشر حقلا من حقول النفط للشركات ذهبت عشرة منها إلى شركات صينية، مما وسع نطاق وجودها في العراق 12. ولم تقتصر قائمة الفائزين بالتراخيص على الشركات الكبيرة المدعومة من الدولة مثل سينوبك (Sinopec) والشركة الوطنية الصينية للنفط البحري (CNOOC)، بل شملت أيضا شركات خاصة أصغر حجما مثل جيو جيد (GeoJade) وزينهوا (Zhenhua) 13.
ورغم أن دخول الصين الأولي لقطاع الطاقة العراقي كان قائما على استغلال الفرص واستكشاف نقاط الضعف السياسية 14، فإن التغييرات في السياسة الداخلية الصينية التي تجسدت في "استراتيجية الانفتاح على الخارج" فضلا عن الطلب المتزايد على النفط ادى الى تعميق هذا الانخراط بمرور الوقت.
توطيد العلاقة
منذ بدايتها توسعت العلاقة بين العراق والصين عاما بعد آخر، فقد انتقلت الصين من كونها لاعبا هامشيا في قطاع النفط العراقي إلى لاعب رئيسي في غضون ما يزيد قليلا عن عقد من الزمن. وأدى ذلك إلى ظهور تصور خاطئ مفاده أن العلاقة الشاملة مع العراق مدفوعة في المقام الأول بالمصالح المتعلقة بالطاقة، لكن هذا الرأي محدود وصحيح جزئيا فقط. فالعراق لديه سوقا استهلاكية رئيسية للسلع الصينية، لذلك هناك رأيان لفهم هذا التوسع.
الأول يتمثل بالنظر إلى الصين كدولة تمر بمرحلة انتقالية نحو نمط الإنتاج الرأسمالي، وهي عملية بدأت في أواخر السبعينيات واستمرت حتى اليوم، ولتحقيق ذلك تحتاج الصين إلى موارد واسواق ومستهلكين. ومن مظاهر هذا الانتقال مبادرة "الحزام والطريق" التي تستقطب الدول الأجنبية بعلاقات تجارية وثيقة مع بكين، وتمنح الاخيرة القدرة على تسويق سلعها في الخارج وتأمين موارد جيدة لاستيرادها إلى الداخل 15. وغالبا ما تحقق الصين ذلك من خلال الشركات المملوكة للدولة مما يجعل من الصعب التمييز بين قطاعات الدولة، والجيش، والشركات، وغيرها. وفي هذا الصدد يرى العديد من الباحثين ان الصين اليوم هي دولة تتبنى سياسة مركانتيلية جديدة.
الرأي الثاني هو أنه لكي تضمن الصين حصولها على النفط، عليها أن تتجاوز النفط نفسه. فأنشطة الصين في العراق مترابطة وتهدف إلى تأمين الطاقة، والوصول إلى الأسواق، وممارسة النفوذ في المجتمع. وهذا النهج هو امتداد للمركانتيلية الجديدة ايضا، حيث يتم الجمع بين أمن الطاقة، والجيش، والدبلوماسية، والتجارة. وينطبق هذا الأمر على كل من الشركات المملوكة للدولة والشركات المستقلة اسميا، التي تتمتع بحرية محدودة في العمل بمفردها.
ان هذه الديناميكية ليست أحادية الجانب، فالنفط بالنسبة للعراق قضية وطنية، بل إن الدستور ينص على ذلك صراحة، حيث تنص المادة 111 على أن "النفط والغاز ملك لجميع أبناء العراق في جميع المناطق والمحافظات" 16. ولا يمكن التقليل من أهميته الاقتصادية لأنه المصدر الرئيسي لدخل الدولة والمجتمع. كما أنه يلعب دورا سياسيا رئيسيا من خلال الدولة الريعية التي تشكل نمط الحوكمة.
لقد ساهم التاريخ والسياق الخاصان بالعراق في تكوين ثقافة الشك تجاه شركات النفط الدولية الغربية، وهو ما يمنح الصين — بأيديولوجيتها وتاريخها المناهض للاستعمار — ميزة هائلة. ويظهر هذا الأمر بقوة خاصة بين النخبة الشيعية العراقية الجديدة، التي تعرضت لضغوط من إيران لاستبعاد شركات النفط الأميركية الكبرى 17. ولذلك ليس من المستغرب أنها فضلت منذ البداية الشركات البعيدة عن الغرب مثل الشركات الصينية.
وفضلا عن الصفقات النفطية المباشرة، اعتمدت الحكومة العراقية على الصين للحصول على قروض لتسهيل تمويل التنمية. فقد أدركت الحكومة العراقية أنها لا تستطيع بناء البلاد بمفردها، لأن 61.7% من ميزانيتها يتم صرفها على النفقات التشغيلية مثل الرواتب، والمعاشات التقاعدية، والضمان الاجتماعي، والإعانات 18. لذلك لجأت إلى بكين للحصول على قروض لبناء مشاريع البنى التحتية الكبرى.
وتواصل الصين اليوم تحديد النخب الصديقة والتعاون معها. ووفقا لمظهر محمد صالح، المستشار الذي عمل في عدة حكومات عراقية مختلفة فإن الشخص المسؤول عن ازدهار العلاقات الصينية-العراقية في العقد الماضي هو عادل عبد المهدي، الذي أحب الصين مثلما أحبها طالباني وخلال فترة توليه منصب وزيرا للنفط ثم رئيسا للوزراء، طوّر عبد المهدي برنامجا باسم "النفط مقابل البنى التحتية" 19.
وبمجرد أن أصبحت الصين شريكا مقبولا في مجال الطاقة امتد التعاون بطبيعة الحال ليشمل تمويل البنى التحتية وتطويرها أيضا. وجسد هذا الامر تحولا نوعيا في العلاقة، فلم يعد النفط مجرد موضوع للتعاون، بل أصبح الآلية التي يتم من خلالها تمويل علاقات اقتصادية أوسع نطاقا.
ويعد قرار العراق في عام 2015 بالانضمام إلى مبادرة "الحزام والطريق" مثالا على هذا التبادل، إذ قال عبد المهدي آنذاك: "بالتعاون مع أصدقائنا الصينيين، حاولنا اغتنام هذه الفرصة التاريخية لتنمية العراق واقترحنا فكرة استخدام النفط في أعمال البناء لأن العراق بحاجة إلى إعادة إعمار شاملة للبنى التحتية والمنشآت الأخرى" 20. وسمح ذلك للصين بترسيخ علاقتها مع العراق ـــــــــــ بشكل لا مثيل له مع أي دولة أخرى في الشرق الأوسط — وبطريقة تسمح بتحقيق منافع متبادلة.
كيف تدير الصين شؤونها في العراق؟
إذا كانت الطاقة تمثل بوابة الدخول إلى المصالح الصينية في العراق، فإن السؤال التالي المطروح هو: كيف تحافظ الصين على هذه المصالح وتحميها على المدى الطويل؟ وتكمن الإجابة في استراتيجية متعددة المستويات تجمع بين الدبلوماسية، والمشاركة المؤسسية، والوجود التجاري، والقوة الناعمة.
عمليا تملك الصين سفارة في بغداد وقنصليتين. إذ افتتحت قنصليتها في أربيل عام 2014 21، لضمان مصالح الصين من خلال توطيد العلاقات مع النخب المحلية. ثم القنصلية الثانية في البصرة التي تم افتتاحها عام 222023، وتركز أنشطتها بشكل أساسي على النفط والغاز. إن توطيد العلاقات مع النخب والتركيز على القطاعات الاقتصادية الحيوية ليسا أمرين متعارضين؛ بل إنهما في الواقع متوافقان، وتقوم جميع البعثات الدبلوماسية الصينية في العراق بتنفيذ هاتين المهمتين معا.
وتعمل الصين على إقامة شبكات علاقات مع الموظفين العراقيين من الرتب الدنيا والمتوسطة والعاملين في قطاع النفط وتدريبهم من خلال برامج واسعة النطاق، وهو نهج تتبعه منذ العقدين الماضيين، وبذلك توسع شبكتها وتسمح للعراقيين من مختلف شرائح المجتمع بالتعرف على الصين. ومع ذلك، نادرا ما يسمح هذا البرنامج المنظم للعراقيين الزائرين برؤية ما وراء الدعاية الرسمية وهو خلل يؤثر بشكل مباشر على طبيعة العلاقة.
ومن السمات المميزة الأخرى لنهج الصين دمج الجهات التجارية الفاعلة في الأهداف الأوسع للدولة. فغالبا ما تعمل شركات النفط الصينية وشركات الهندسة ومقاولو البناء وموردو المعدات والمؤسسات المالية والبعثات الدبلوماسية الصينية بشكل متواز مما يعزز أنشطة بعضها البعض حتى عند السعي وراء أهداف تجارية مختلفة.
على سبيل المثال، تؤدي الاستثمارات الضخمة في قطاع التنقيب والإنتاج إلى خلق طلب على الخدمات الهندسية الصينية، والتي غالبا ما تتزامن مع انشاء البنى التحتية والتعاون في مجال الاتصالات، والتدريب التقني، وتوسيع نطاق التجارة. ويتيح هذا النموذج المترابط للصين بناء منظومة اقتصادية متكاملة تعمل بشكل استراتيجي، بدلا من اعتمادها كمجموعة من المشاريع المنعزلة. ونتيجة لذلك يتجاوز الاعتماد العراقي على الصين كسوق لتصدير النفط الخام ويتنوع ليشمل البنى التحتية، والتكنولوجيا، والأسواق الاستهلاكية، والكهرباء، والتنمية الصناعية. ونتيجة لذلك زاد النفوذ الاستراتيجي للصين على المدى الطويل في العراق.
وتتضح هذه الاستراتيجية في تنوع الجهات الفاعلة من الشركات الصينية العاملة في العراق. حيث تعمل الشركات المملوكة للدولة والشركات الخاصة وشركات الهندسة ومقدمو الخدمات يدا بيد على تكوين منظومة تجارية واسعة ومتكاملة.
جدول 1: الشركات الصينية العاملة في مجال النفط العراقي حسب القطاع 2026

المصدر: تم تجميعها بواسطة مساعدي البحث في مركز ضياء جعفر للطاقة والموارد الطبيعية، استنادًا إلى بيانات ترخيص وزارة النفط العراقية، وتقارير الشركات، والتقارير السنوية، والإعلانات العامة.
امن الطاقة الصيني وازمات الشرق الاوسط
يثير توسع الوجود الصيني في العراق سؤالا كبيرا وهو أي الشريكين يعتمد في النهاية على الآخر بشكل أكبر؟ إذ تفترض الرؤية السائدة أن الصين تعتمد اعتمادا كبيرا على النفط العراقي، وبالتالي فهي إلى حد ما تحت رحمة بغداد. غير أن التطورات التي شهدها العقد الماضي تشير إلى أن العلاقة أصبحت غير متكافئة بشكل متزايد في الاتجاه المعاكس أي ان بغداد تعتمد على الصين بشكل أكبر.
ولسنوات طويلة كان اعتماد الصين على الشرق الأوسط في مجال الطاقة يمثل نقطة ضعف حقيقة لها، لا سيما في ظل عدم الاستقرار الذي تشهده المنطقة ومحدودية قدرة بكين في بسط نفوذها على الأحداث الدائرة في المنطقة 23، وعلى عكس ما قد يبدو بديهيا، أظهر الصراع الأخير بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران أن هذه النظرة لم تعد دقيقة، وأن الدول المنتجة للطاقة تتمتع بنفوذ كبير على الصين.
في الواقع يعتمد العراق على الصين أكثر مما تعتمد الصين عليه، فإلى جانب كونها أكبر وجهة لتصدير النفط العراقي، هي المصدر الرئيسي للسلع ذات الأسعار المعقولة للعراقيين منذ سنوات مضت. علاوة على ذلك تمثل الشركات الصينية قوى فاعلة ومهمة في قطاعات المقاولات والطاقة المتجددة. ونتيجة لذلك تُطرح تساؤلات جدية حول ما إذا كان العراق يعتمد على الصين بشكل مبالغ فيه، وما إذا كان سيتعين عليه إجراء تغييرات هيكلية لضمان تحقيق اكتفاءه الذاتي.
وترغب بعض الأطراف الفاعلة في العراق ولا سيما النخب الحاكمة والجماعات السياسية الشيعية، في أن تلعب الصين دورا يوازن الهيمنة الاميركية في منطقة الشرق الأوسط، لكن الصين لا تشاطرهم هذا الهدف الاستراتيجي، وهي ترى أن سوء الإدارة السياسية والاقتصادية من قبل دول المنطقة والتنافس غير المبرر بينها، والتدخلات الجيوسياسية المتكررة، هي الأسباب الرئيسية للتقلبات وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط.
ان المؤشرات الحالية للعلاقات العراقية – الصينية تكشف عن المسار المستقبلي لهذه العلاقة، فالصين ستسعى الى ترسيخ وجودها بشكل اكبر في الاقتصاد السياسي في العراق، وهي اليوم بالفعل تمثل اكبر اللاعبين الدوليين في قطاع الطاقة في البلاد24. وتتمتع بمكانة أفضل من منافسيها في العديد من القطاعات الحيوية الأخرى، بما في ذلك الاتصالات والبنى التحتية وأسواق السلع الاستهلاكية اليومية وهو ما يتيح لها فرصا أكبر ونفوذا اضافيا مرتبط بقوتها الناعمة، ما يعزز مكانة الصين مستقبلا سواء مع النخبة الحاكمة او مع المجتمع العراقي ككل.
الاستنتاجات
تشير الأدلة التي عُرضت في هذه الورقة إلى أن صعود الصين في العراق لا يمكن تفسيره بمجرد الزيادة الإحصائية في واردات النفط أو جولات المناقصات الناجحة، فالعراق يدرك ان الصين تستخدم أمن الطاقة كأساس لبناء شبكة شاملة من العلاقات الاقتصادية والسياسية والمؤسسية والدبلوماسية التي تعزز بعضها البعض بمرور الوقت.
إن "تحويل كل محافظة إلى مدينة نفطية"، كما قال وزير النفط في حكومة علي الزيدي باسم محمد خضير في احدى خطاباته هو مؤشر على رغبة العراق في الاعتماد بشكل أكبر على النفط 25. وهذه الاستراتيجية تجعل العراق أكثر ارتباطا بسوق الطاقة وتقلباته، وهو رهان محفوف بالمخاطر في ظل التغيرات الجيوسياسية الحالية 26.
لذلك، فإن تنويع العلاقات بين العراق والصين بما يتجاوز قطاع الطاقة يمثل انعكاسا لكل من التفكير الاستراتيجي للصين والنظام السياسي في العراق وهو نظام فريد من نوعه في المنطقة، وهو ما يسمح لبكين بالتغلغل في البلاد على مستويات متعددة والتأثير على النخب والمجتمع ككل. ورغم أن قطاع الطاقة لا يزال يشكل الجزء الرئيسي من هذه العلاقات، إلا أنه ليس الجزء الوحيد المهم في الوقت الحالي.
الحواشي والمراجع:
1. Jon B. Alterman and John Garver, The Vital Triangle: China, the United States, and the Middle East (Washington, DC: Center for Strategic and In-ternational Studies, 2008). https://www.csis.org/analysis/vital-triangle-0
2. Razoux, Pierre. The Iran-Iraq War. Harvard University Press. 2015. 86.
3. NORINCO Group. Brief of NORINCO Group. (no date) http://en.norin-cogroup.com.cn/col/col432/index.html
4. Razoux, Pierre. The Iran-Iraq War. Harvard University Press. 2015. 87.
5. Office of the Iraq Programme Oil-for-Food. 2023.
6. Downs, Erica Strecke. China’s quest for energy security. Rand. 2026. https://www.rand.org/pubs/monograph_reports/MR1244.html
7. Al-Waha Petroleum. Our history. 2024. https://
www.petroalwaha.com/portal/portlets/informationissues/manage/content/show.php?id=110
8. Acker, Kevin, Deborah Brautigam, and Yufan Huang. Debt Relief with Chinese Characteristics. 2020. Working Paper No. 2020/39. China Africa Research Initiative, School of Advanced International Studies, Johns Hopkins University, http://www.sais-cari.org/publications.
9. Qin Jize. 2007. China to substantially forgive Iraq’s debt. (China Daily) https://www.chinadaily.com.cn/china/2007-06/22/
content_899832.htm
10. Jon Lee Anderson. 2007. Mr. Big. Where is Jalal Talabani taking Iraq? The New Yorker. https://www.newyorker.com/magazine/2007/02/05/mr-big
11. Wikileaks. China-Iraq Oil Contract Highlights Pressure in CNPC. 2008. https://wikileaks.org/plusd/cables/08BEIJING3575_a.html
12. Yesar Al-Maleki. Iraq Bidding: Chinese Firms Dominate. Middle East En-ergy Survey. 2024. https://www.mees.com/2024/5/17/oil-gas/iraq-bid-ding-chinese-firms-dominate/c82ba250-1452-11ef-
a899-9dc8d011780e
13. Iraq Oil Report. Iraq awards 7 new projects in first day of 5-plus/6th licensing round. 2024. https://www.iraqoilreport.com/news/iraq-awards-new-projects-in-first-day-of-5-plus-6th-licensing-round-46518/
14. Downs, Erica Strecker. China’s quest for energy security.. Rand. 2000. https://www.rand.org/pubs/monograph_reports/MR1244.html#:~:-text=China%20thus%20is%20having%20to,the%20motivations%20 behind%20those%20measures
15. Charles E. Ziegler, Rajan. Menon Neomercantilism and Great-Power Energy Competition in Central Asia and the Caspian. Strategic Studies Quarterly, 2014. Vol. 8, No. 2 (SUMMER). https://www.jstor.org/sta-ble/26270802?seq=1
16. Iraqi Constitution. 2005. Article 111. Available on https://
iq.parliament. iq/en/wp-content/uploads/sites/3/2024/04/Constitution-of-the-Repub-lic-of-Iraq.pdf
17. Iraq Oil Report. New details emerge in Iraqi oil deal with China. 2008. https://www.iraqoilreport.com/news/new-details-emerge-in-iraqi-oil-deal-with-china-283/
18. Ahmed Tabaqchali. Iraq’s 2024 budget is not what it appears when it first meets the eye. 2024. Atlantic Council. https://
www.atlanticcouncil.org/wp-content/uploads/2024/11/Iraqs-2024-Budget-Not-What-It-Appears. pdf
19. Mazhar Muhammad Saleh. Discusses the reality of the agreement with China and Iraq’s joining. 2023. WTV. the Belt_and_Road initiative. https://www.youtube.com/watch?v=qeUsSnch-3s WTV. (
2023).د.مظهر محمد صالح: يتحدث عن حقيقة الاتفاق مع الصين والتحاق العراق بمﺒﺎدرة
20. Adil Abdul-Mahdi. China’s modernization is enlightening for Iraq. China Daily. 2022. https://www.chinadaily.com.cn/a/202211/22/WS-637c0741a31049175432b0e3.html
21. Anadolu Agency. China opens consulate in northern Iraq. 2014. https://www.aa.com.tr/en/politics/china-opens-consulate-in-northern-iraq/88226
22. CGNT Official Opining of the Chinese General Consulate Basra. 2023. حافتتا القنصلية العامة لجمهورية الصين الشعبية في البصرة رسميا. https://arabic.cgtn.com/news/2023-10-17/1714231650309967874/index.html
23. Ministry of Foreign Affairs, PRC. Chinese Consul General in Erbil Liu Jun Attends Launch Ceremony and Networking Event of the Great Wall Association. 2025. https://www.fmprc.gov.cn/eng/xw/zwbd/202512/t20251211_11770814.html
24. Oxford Analytica. China will dominate Iraq’s energy sector. 2023. https://www.emerald.com/expert-briefings/article-abstract/doi/10.1108/OXAN-DB281733/479181/China-will-dominate-Iraq-s-energy-sec-torIRAQ-China?redirectedFrom=fulltext
25. Iraqi Ministry of Oil. Oil and Gas are the People’s Resources. 2026. النفط والغاز قوت
الشعب ح2https://www.youtube.com/watch?v=TBYUtP_XDq0
26. Bloomberg News. China's Declining Appetite for Oil Laid Bare by Iran War. 2026. https://www.bloomberg.com/news/articles/2026-05-28/china-s-declining-appetite-for-oil-laid-bare-by-iran-war