لا يعد قطاع الطاقة في العراق مجرد قطاع بين العديد من القطاعات الاخرى، بل هو الاقتصاد ذاته فهو يمثل العمود الفقري للدولة العراقية ومحرك التمويل الحكومي ومقياس معتمد لإمكانات البلاد وهشاشتها، إذ يشكل النفط الحصة الأكبر من دخل الدولة وأكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي (GDP)، وبالتالي فإن هذا القطاع هو المرآة الأساسية التي يتضح من خلالها ملامح علاقة العراق بالعالم الخارجي.

في هذا السياق يطلق مركز ضياء جعفر للطاقة والموارد الطبيعية في الجامعة الأميركية في العراق-السليمانية (AUIS) مجلة "آفاق الطاقة في العراق"، هذا المنشور الذي سيكرس لمقترح بسيط لكنه مهم للغاية هو: وجوب أن يستند النقاش حول هذا القطاع الحيوي الى الحقائق، إذ يحتاج العراق إلى تحليل وبيانات وتوقعات أفضل للطاقة فيه، والى حوار وطني أكثر انضباطا حول هذا القطاع الذي يدعم موارده المالية العامة ويقترن بالحياة اليومية لكل أسرة عراقية.

لقد هيمنت السياسة والأزمات والشعارات والمساومات قصيرة الامد لفترة طويلة على النقاشات المتعلقة بقطاع الطاقة في العراق. إذ تتعدد الآراء وتستفيض وتتنوع حول قضايا مهمة مثل النفط والغاز والكهرباء والصادرات والرسوم، بل وحتى عن النزاع بين حكومة إقليم كردستان وبغداد، وحول منظمة أوبك (OPEC) والعلاقات مع الولايات المتحدة والمنطقة. ولكن ما ينقص هذه الآراء هو وجود منصة متخصصة قائمة على الأدلة، وذات بعد تحليلي صارم تربط البيانات بالخيارات السياسية والخيارات السياسية بالعواقب، وهذه هي الفجوة التي تسعى مجلة "آفاق الطاقة في العراق" إلى سدها.

فالعراق لا يحتاج إلى نموذج للطاقة - بالمعنى التقني الضيق - بل هو يحتاج الى إطار تحليلي وطني، وأدوات تعتمد على البيانات وتساعد على التنبؤ بالعرض والطلب، وتتابع التغيرات في سلوك الجمهور وقطاع الأعمال وتحديد أولويات الصناعة، فضلا عن اختبار عواقب الخيارات السياسية قبل تحولها الى أزمات.

وعلى سبيل المثال، يجب ان لا نكتفي بمعرفة عدد براميل النفط التي يمكن للعراق إنتاجها، بل نفهم ما يحدث عندما تُغلق طرق التصدير ويرتفع الطلب على الكهرباء وتتغير الرسوم، وكذلك عندما يتعطل إمداد الغاز وتدخل السيارات الكهربائية السوق ويتوسع التصنيع المحلي، أو عندما تعيد ضغوط المناخ تشكيل الوصول إلى المياه والطاقة والزراعة.

فالنموذج ليس كرة بلورية تكشف ما خلفها بوضوح تام، ولكنه في الوقت ذاته أفضل من إدارة اهم قطاع في البلاد برؤية ضبابية غير واضحة.

ان الحاجة إلى مثل هذا التحليل تزداد يوما بعد آخر، فنقاط ضعف العراق ليست نظرية، بل هي واضحة للعيان وتكمن في افتقاره لتنويع الصادرات وضعف بيئة الاستثمار وعدم استقرار نظام الكهرباء وغموض السياسات، والنزاعات العالقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان حول الطاقة واعتماده على عائدات النفط بشكل رئيسي. فضلا عن انكشافه على الحروب الإقليمية وتسارع الضغوط الناجمة عن تغير المناخ وانتقال الطاقة، فما يجري خلف حدود العراق هو مختلف تماما عما يجري داخله إذ تتغير نظم الطاقة بشكل متسارع ويستعد المنتجون لسيناريوهات طلب مختلفة، فيما باتت الأسواق أكثر تنافسية وغيرت التكنولوجيا أنماط الاستهلاك عند البشر.

ببساطة لا يزال العراق يعتمد وبشكل خطير على مجموعة هشة من الفرضيات غير المنطقية وهي: أن النفط سيستمر في التدفق وأن الأسعار ستبقى مواتية مثلما ستبقى طرق التصدير مفتوحة. كما ان الإيرادات العامة ستواكب توقعات الجمهور وهذه ليست مجرد هشاشة بل هو ضعف مالي وجغرافي وسياسي. فالعراق يعتمد على سلعة لا يتحكم في سعرها وعلى قنوات مالية غير موثوقة، فبدون مدخرات كافية، أو آليات استقرار ثابتة، أو صادرات متنوعة أو إيرادات غير نفطية يمكن أن تتحول أي صدمة سعرية أو اضطراب، أو قيود على الوصول إلى الدولار الى أزمة في الميزانية العامة.

لقد كشفت الأحداث الأخيرة هذا الضعف بشكل واضح ومؤلم، فالاضطرابات حول مضيق هرمز بينت اعتماد العراق الكبير على الصادرات عبر منفذ الجنوب وغياب اية بدائل أخرى فعالة بما في ذلك خط الأنابيب الاستراتيجي الذي يمتد من الجنوب إلى الشمال. لقد فشل العراق في إعادة توجيه النفط الخام بسهولة من جنوبه ووسطه نحو الشمال، وكانت النزاعات التي لم تحل بين أربيل وبغداد احدى أسباب ذلك الفشل، فضلا عن عدم وجود سعة تخزين كافية أو ممرات بديلة او حتى احتياطات مالية. بل وحتى النفط الذي تم تصديره واجه تعقيدات مرتبطة بسيولة الدولار والعلاقات المتوترة مع واشنطن. فالعراق دولة تعتمد خزائنها العامة على صادرات وأسعار نفط لا تتحكم فيهما بالكامل وهذا الامر لا يمثل تهديدا بل خطرا هيكليا.

هكذا بالضبط تبدو لعنة الموارد في أشد صورها وضوحا، حيث تكسب الدولة من خلال النفط، وتنفق وتوظف وتقدم الدعم من خلاله أيضا، بل وتبقى على قيد الحياة سياسيا من خلال النفط.

ومع كل ذلك يواجه المواطنون انقطاع الكهرباء والوقود وضعف الخدمات وقلة فرص العمل والقلق المالي المتكرر. ولان ميزانية العراق تعتمد على النفط فهي معرضة لتقلبات الأسعار الدائمة وتواجه اضطرابا في الصادرات وقيودا في الوصول الى الإيرادات، كما ان البلاد لم تدخر ما يكفي في السنوات الجيدة التي ارتفعت فيها أسعار النفط، ولم تبنِ نظاما ماليا مضادا للدورات الاقتصادية التي غالبا ما تنتهي بالركود، ولم تنوع قاعدة إيراداتها ولم تنشئ بنية تحتية تضاهي أهمية المورد الذي تعتمد عليه.

 فالإيرادات بدون مرونة ليست امانا، بل هي هشاشة متنكرة في صورة ثروة.

لذا فإن العدد الأول من "آفاق الطاقة في العراق" ليس مجرد منشور عن تطورات الطاقة، بل هو دعوة للتفكير بطريقة مختلفة.

ونبدأ بالكهرباء لأنها القطاع الذي يتواجه فيه المواطنون مع الدولة يوميا. يؤكد تحليل عمل برنامج روناكي في إقليم كردستان بإنجاز تقدم حقيقي في نظام الفوترة وترشيد الطلب وتقليل الاعتماد على المولدات، لكنه يكشف أيضا أن إصلاح التسعير والعدادات الذكية ليسا كافيين. فعندما تعطل هجمات الطائرات المسيرة إمدادات الغاز من خور مور، يصبح إصلاح الكهرباء متعلقا بأمن الطاقة. فالموثوقية وقبول الجمهور وتنويع الوقود والتخطيط للطوارئ ليست مسائل ثانوية بل هي شروط يجب ان يستمر الاصلاح بمعيتها. بعد ذلك تأخذنا رحلة القراءة إلى صادرات النفط والميزانية العامة. حيث يُظهر تقرير "أزمة عائدات النفط في زمن الحرب" مدى سرعة تدهور الوضع المالي للعراق عندما تتعطل تدفقات التصدير. فالدرس واضح هنا : حيث ان تركيز التصدير من نقطة واحدة ليس مجرد مشكلة لوجستية، بل هو نقطة ضعف وطنية. فإذا كانت البلاد تعتمد على ممر واحد ليحمل الغالبية العظمى من نفطها الخام، فإن صدمة واحدة يمكن أن تتحول إلى أزمة مالية ثم تصبح أزمة في الميزانية والرواتب، وأزمة في الحوكمة.

ويختم العدد بقسم الموجز التحليلي تحت عنوان " تطورات الطاقة ومستجدات الاحداث"، والذي يتتبع التطورات الرئيسية في مشهد الطاقة في العراق، ويبدأ من أزمة مضيق هرمز واحتمال دخول شركة شيفرون إلى قطاع الاستكشاف النفطي والإنتاج العراقي ثم ينتقل الى الاضطرابات في أسواق الوقود المحلية وإعادة فتح طريق التصدير السوري لتخفيف الاختناقات. ان جميع هذه التطورات مهمة بحد ذاتها وهي مجتمعة تشير إلى واقع أكبر هو: ان قطاع الطاقة في العراق يتشكل بفعل الجغرافية السياسية وحدود البنى التحتية، فضلا عن امكانيات الاستثماروالاستهلاك المحلي والقدرة المؤسسية في آن واحد.

لهذا السبب سيأخذ مركز مركز ضياء جعفر للطاقة والموارد الطبيعية في الاعتبار النظرة الشاملة للطاقة باعتبارها نظام تشغيل الاقتصاد العراقي. وسندرس النفط والغاز، ونبحث في الكهرباء والمالية العامة والسياسة الصناعية، والتصنيع المحلي بالإضافة الى النقل والمركبات الكهربائية والاستهلاك المنزلي وسلوك الأعمال وضغوط المناخ وروابط الطاقة مع المياه والبيئة.

طموحنا هو إضافة مستوى من التجريبية إلى نقاش غالبا ما يكون سياسيا بشكل مفرط. وسيعمل المركز مع المراكز العالمية للتميز لتطوير منهجيات جمع البيانات والنماذج التحليلية وأدوات التنبؤ المناسبة لواقع العراق. سنبني قواعد بيانات وننشر تحليلا للسياسات ونجمع الحوارات الجادة، ونساعد في انشاء مفردات مشتركة للإصلاح. وسنطرح أسئلة صعبة، ولكن هدفنا هو البناء ودعم اتخاذ القرار بشكل أفضل وبناء العراق وكردستان بشكل أكثر قدرة على الصمود.

ومع ذلك فإن البحث العلمي هو جزء فقط من المهمة، فمركز ضياء جعفر للطاقة والموارد الطبيعية مرتبط بجامعة وهذا أمر مهم، ما يعني أننا لا ننتج التحليل فقط لصانعي القرار اليوم فحسب بل نساعد أيضا في تدريب الأشخاص الذين سيقودون مشهد الطاقة مستقبلا وسنبني قدرة بحثية واعدة، ونوفر فرصا للطلاب والشباب المحترفين، وندعم الزملاء والعلماء الزائرين ونطور مسارا من المواهب للحكومة والصناعة والمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية. فالعراق لا يحتاج إلى أوراق سياسية أفضل فحسب، بل هو يحتاج إلى أشخاص قادرين على قراءة البيانات والتشكيك في الافتراضات وفهم الأسواق وتصميم المؤسسات وخدمة المصلحة العامة بكفاءة ونزاهة.

هذا هو بالضبط ما يميز مركزا مرتبطا بجامعة. نحن منصة للبحث، ولكن أيضا للتكوين ونحن مكان للتحليل، ولكن أيضا للحوار، نحن جامعون وكذلك أرض للتدريب. لذلك يمثل إطلاق مجلة آفاق الطاقة في العراق بداية متواضعة ذات هدف طموح، وهدفنا هو توضيح القضايا المعقدة للطاقة وربط الأدلة بالسياسات والمساهمة في حوار وطني أكثر جدية حول مستقبل العراق.

 فالتقدم ممكن، حيث يمتلك العراق وكردستان أيضا الموارد والمواهب والجغرافية، وشبابا متحمسين للفرص. لكن الإمكانات ليست سياسات والموارد ليست صمودا والإيرادات ليست تنمية، ومستقبل الطاقة في العراق لن يتحقق بالإيمان وحده. ولكي يكون النعمة التي يتوجب أن يكون عليها، فإن ذلك يتطلب بيانات وانضباطا واستثمار ووضوحا مؤسسيا، وبنى تحتية وثقة عامة. بهذه الروحية نقدم لكم "آفاق الطاقة في العراق".