أحدثت الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في 28 شباط 2026 صدمة في أسواق الطاقة العالمية. فبالنسبة لمعظم الدول المنتجة للنفط في الشرق الأوسط فإن هذا الاضطراب يمثل مصدر قلق، أما بالنسبة للعراق فهو مسألة وجودية. إذ يعتمد اقتصاد العراق بأكمله على النفط الخام الذي يتم تصديره عبر الخليج الفارسي، فهو يمثل أكثر من 90% من إيرادات الحكومة وأكثر من نصف ناتجها المحلي الإجمالي.
وعلى عكس ممالك الخليج، لا يمتلك العراق صندوق ثروة سيادي أو صندوق استقرار يمكن أن يساعد في التخفيف من تأثير انقطاع الصادرات. لكن هذه المشكلة الهيكلية معروفة منذ عقود، إذ نوقشت باستفاضة في حوارات سياسية مختلفة وفي وثائق الميزانية ومشاورات صندوق النقد الدولي، ولكن تم تجاهلها عمليا ولم توضع لها اية حلول.
وتكشف الازمة الحالية التي أعقبت اندلاع الحرب انه عندما يتوقف تدفق النفط من العراق عبر الخليج تفقد الدولة معظم مواردها المالية. وهو ما حدث حينما انهار ممر التصدير الجنوبي للعراق عندما قيدت إيران تدفقات الشحن عبر مضيق هرمز ردا على الهجمات الجوية التي شنتها الولايات المتحدة الاميركية وإسرائيل عليها، إذ تتعامل البنى التحتية للتصدير في البصرة مع أكثر من 92% من صادرات النفط الخام العراقية حيث توقفت عملية التصدير تماما عقب الحرب بين 8 آذار و2 نيسان.
في الوقت الحالي لا توجد مسارات بديلة لتصدير النفط قابلة للتطبيق، فقد أُغلق خط انابيب النفط العراقي الذي يمر في أراضي المملكة العربية السعودية (IPSA) منذ عام 1990، وتستخدم السعودية خطوط انابيبها بكامل طاقتها في الوقت الحالي لنقل نفطها الى البحر الأحمر، اما خط انابيب العراق – سوريا (ISP) فهو خارج الخدمة منذ عام 2003. فيما حاول خط انابيب العراق – الأردن (IJP)استقطاب المستثمرين في عام 2014، لكن المشروع تم تجميده بسبب الحرب الدائرة آنذاك ضد تنظيم الدولة الإسلامية (ISIS) ووجود قيود سياسية أخرى، ولم يتم احياؤه بعد انتهاء الصراع.
وحتى لو كان أي من خطي الانابيب مع سوريا والأردن يعمل، فالعراق يواجه مشكلة أكبر، لأن الخط الاستراتيجي الذي كان في السابق ينقل خام البصرة شمالا الى حديثة ثم بيجي ومنها الى ميناء جيهان أصبح متهالكا الى حد كبير ولا يمكنه العمل باي قدر ممكن. وفي حين كان من المفترض أن تكون حديثة نقطة الوصل الرئيسية بين خطي انابيب النفط العراقي السوري الأردني، لكن على ارض الواقع لم يبق للعراق سوى منفذ واحد هو خط أنابيب العراق – تركيا (ITP)، الذي ينقل النفط من حقول إقليم كردستان وكركوك إلى تركيا وموانئ البحر الأبيض المتوسط. لكن هذا الخط يعاني هو الآخر من قيود - بسبب معوقات البنية التحتية والسياسية – وهو ينقل حاليا نحو 250,000 برميل يوميا، وهذا يمثل حوالي 7% من حجم صادرات العراق قبل الحرب.
ونتيجة لذلك خسر العراق أكثر من 81% من صادراته النفطية في غضون شهر واحد فقط، حيث انخفضت من حوالي 100 مليون برميل في شباط إلى 18.6 مليون برميل في آذار، وبالتالي تراجعت عائدات النفط الشهرية من 6.8 مليار إلى 1.9 مليار دولار أميركي. وتوثق الأرقام الواردة في الشكل 1 هذا الانهيار بالتفصيل وتضعه في سياق طويل الأمد، حيث يقدم درسا واضحا لما جرى: فما حدث لم يكن صدمة غير مسبوقة يصعب توقعها، بل هي نتيجة متوقعة تماما لاعتماد هيكلي محدد اختارت الحكومات العراقية المتعاقبة عدم معالجته مما تسبب في ازمة حادة ناتجة عن هذا الضعف.
الشكل 1: يمثل انهيار حجم صادرات النفط

التقرير الشهري للصادرات الشمالية https://somooil.gov.iq/annual-summary-chart, المصدر: بيانات الصادرات لشهر شباط. استئناف تشغيل خط الانابيب الشمالي حيث تعكس ارقام شهر آذار 14 يوما من الصادرات فقط ، عقب تعليقها عند اندلاع الاعمال العدائية.. oil.gov.iq
وتبين الأرقام الواردة في الشكل 1 حقائق صادمة بشكل كبير، فقد صدر العراق 99.9 مليون برميل في شباط 2026، ولكن في آذار وأثناء الحرب انخفض هذا الرقم إلى 18.6 مليون برميل - بانخفاض تجاوز 81% خلال شهر واحد- وهذا يوضح ما يعنيه ذلك من الناحية الهيكلية: إذ يرجع الانهيار الكامل إلى توقف صادرات البصرة عبر مضيق هرمز، والذي يمثل بدوره الممر الرئيسي لأكثر من 92% من إجمالي تدفقات الصادرات العراقية.
في نهاية المطاف يكشف الشكل 1عن وضع شديد الخطورة إذ لا يوجد أي احتياطي بديل وفعال في نظام التصدير العراقي، حيث يتولى ممر واحد فقط نقل الغالبية العظمى من نفط البلاد الخام الى خارجها، وعندما يُغلق هذا الممر - لأي سبب كان، سواء كان حربا أو عقوبات أو انهيارا في البنية التحتية أو نزاعا سياسيا - لا يوجد أي بديل يمكن الاعتماد عليه، إذ كشف تعطل الطريق الاستراتيجي لتصدير نفط البصرة الخام عن تحوّل الصراع الإقليمي بين المتنازعين إلى كارثة مالية القت بضلالها على البلاد وهو امر متوقع.
لشكل 2: انهيار عائدات النفط
، التقرير الشهري للصادرات الشماليةعلى الموقع التالي: https://somooil.gov.iq/annual-summary-chartالمصادر: بيانات الصادرات لشهر شباط: مقابلة مع علي نزار الشطري ، المدير العام للهيئة العامة للنفط ، استئناف تشغيل خط الانابيب الشمالي. بيانات شهر آذار مستمدة من oil.gov.iq. في العراق (somo). توقفت الصادرات الشمالية عبر خط انابيب كردستان ITP- عند اندلاع الاعمال العدائية واستؤنفت في 18 مارس2026، وتعكس ارقام مارس 14 يوما من الإنتاج الجزئي فقط، وظلت صادرات النفط الخام الثقيل عبر البصرة معلقة طوال شهر مارس.
ويوضح الشكل 2 الآثار المالية المترتبة على تعطل الصادرات، اذ انخفض اجمالي عائدات النفط من 6.81 مليار دولار أميركي في شباط الى 1.93 مليار دولار أميركي في آذار، أي بانخفاض يقارب 72%. وبالقيمة المطلقة خسر العراق ما يقارب 4.88 مليار دولار أميركي في شهر واحد.
إن ديناميكيات الأسعار خلال هذا الاضطراب المرتبط بالحرب تستحق اهتماما خاصا، فقد شكلت صادرات النفط الفعلية التي بلغت نسبتها 82% ما يقارب 72% من خسائر الإيرادات. ويعكس هذا الامر تأثيرا واضحا للسعر يتضمن علاوة الحرب، حيث قفزت أسعار خام برنت القياسية من 68 دولار الى أكثر من 100 دولار اميركي. لكن هذه التأثيرات لا تقدم سوى تخفيف جزئي لأن تحسن الأسعار لا يعني الكثير عندما تنخفض احجام الصادرات بهذا القدر الكبير، فالإيرادات في نهاية المطاف هي نتاج كل من السعر والكمية.
وتصل خسارة الإيرادات اليومية التي تشير اليها هذه الأرقام الى حوالي 160 مليون دولار أميركي ولتوضيح ذلك: تتطلب الميزانية الاتحادية العراقية إيرادات نفطية مستمرة لتغطية فاتورة أجور القطاع العام وحدها، تصل الى 90 مليار دولار أميركي سنويا، وهو ما تم انفاقه فعليا في السنة المالية لعام 2025.
وبمعدل الانفاق الحالي في زمن الحرب، ستصل الإيرادات السنوية الى حوالي 23 مليار دولار أميركي اي ما يقارب ربع المبلغ اللازم لدفع الرواتب والأجور التقاعدية ونفقات الدولة الأخرى. وقد خفف الاستئناف الجزئي لحركة ناقلات النفط من البصرة عبر مضيق هرمز من حدة الازمة مقارنة بمرحلة الاغلاق التام، لكن الوضع المالي ما يزال سيئا ويمر بأزمة شديدة، فبدون استعادة كاملة لقدرة التصدير عبر الجنوب سيواجه العراق ضغوطا متزايدة فيما يتعلق بدفع الرواتب والخدمات العامة وسداد الديون.
الشكل 3: اعتماد إيرادات الحكومة على النفط
المصدر: حسابات المؤلفين بناءً على بيانات صندوق النقد الدولي، وقاعدة بيانات آفاق الاقتصاد العالمي (أكتوبر 2025)، وبيانات دولة العراق. أداة رسم خرائط بيانات صندوق النقد الدولي - العراق.
يتجاوز الشكل 3 الازمة الحالية ليطرح سؤالا أكثر صعوبة: هل هذه صدمة ام ان النظام يتصرف تماما كما تتوقع بنيته القائمة؟ وطبقا للأرقام الظاهرة فالإجابة الثانية هي الأكثر واقعية، فعلى مدى السنوات الاثني عشر الماضية شكلت عائدات النفط باستمرار ما بين 85% و95 % من اجمالي دخل الحكومة، بغض النظر عن مستوى أسعار النفط في الدورة الاقتصادية الواحدة. ولا يتحرك خط الاعتماد هذا الا قليلا، وهو أحد أكثر السمات استقرارا في الملامح الاقتصادية الكلية للعراق برمتها – بل واخطرها.
يوضح الرسم البياني ان قاعدة الإيرادات غير النفطية في العراق لم تشهد نموا يذكر، إذ تراوحت بين 5 مليارات و11 مليار دولار أميركي سنويا في حين تراوحت الإيرادات الاجمالية بين 45 مليار و119 مليار دولار أميركي حسب أسعار النفط. اما الإيرادات غير النفطية التي تشمل الضرائب والرسوم الجمركية وايرادات المؤسسات الحكومية فهي راكدة من الناحية الهيكلية ولم تتوسع بما يتناسب مع النمو السكاني ولا مع الناتج المحلي الإجمالي او التزامات الانفاق العام. وفي بلد يبلغ عدد سكانه 46 مليون نسمة وينمو بمعدل 2.5 % سنويا لا تعد هذه مسألة مالية هامشية، بل تمثل اخفاقا في الحوكمة الاقتصادية.
لقد اتاحت فترات ارتفاع عائدات النفط في الأعوام - 2018 و2019 وعام 2022 بشكل خاص – فرصا حقيقية للاستثمار في التنويع وتعزيز المؤسسات الضريبية وبناء احتياطات مالية. لكن تلك الفرص لم تستثمر ولم تتخذ اية إجراءات حقيقية تتعلق بها، فقد كانت الميزانية الاتحادية لعام 2023 التي وضعت في اعقاب ذروة الإيرادات المسجلة عام 2022 مباشرة هي الأكبر في تاريخ العراق؛ بل ووزعت غالبيتها على النفقات الجارية بما في ذلك الرواتب والتحويلات والاعانات، ولم يُكتف بالتسامح مع الاعتماد الهيكلي الذي يوثقه الشكل 3 خلال فترات الرخاء فحسب بل تم تعميق هذا الاعتماد بشكل فعال.
الشكل 4 : دور النفط في الاقتصاد بشكل عام
المصدر: حسابات المؤلفين بناءً على بيانات صندوق النقد الدولي، وقاعدة بيانات آفاق الاقتصاد العالمي (أكتوبر 2025)، وبيانات دولة العراق. أداة رسم خرائط بيانات صندوق النقد الدولي - العراق.
يوسع الشكل 4 نطاق الرؤية بشكل اكبر ليتجاوز التمويل الحكومي ويوضح دور النفط في الاقتصاد ككل. فقد شكل الناتج المحلي الإجمالي النفطي ما يقارب نصف اجمالي الناتج في العراق منذ 2014، في حين ساهم الاقتصاد غير النفطي بالجزء المتبقي بنسبة ثابتة. إذ ان خط الناتج المحلي الإجمالي يتأرجح - من أدنى مستوى له عند 168 مليار دولار أميركي في عام 2016 إلى ذروة بلغت 289 مليار دولار أميركي في عام 2022 - متتبعا أسعار النفط بشكل شبه مثالي كما ان الاقتصاد غير النفطي في الرسم البياني لا يظهر كقوة مستقلة.
وهذا الأمر له أهمية كبيرة لفهم طبيعة نقاط ضعف العراق فهذا الضعف ليس ماليا فحسب بل يمتد ليشمل الجانب الهيكلي أيضا، فعندما تنهار عائدات النفط تمتد الآثار المترتبة على ذلك لتشمل لاقتصاد بأسره: إذ يتوقف دفع مستحقات المتعاقدين الحكوميين مثلما يتوقف الاستثمار العام وينكمش الإنفاق الاستهلاكي. فالدولة تظهر كفاعل الاقتصادي مهيمن لأنها توظف أكثر من 4 ملايين شخص وتستحوذ على الغالبية العظمى من الانفاق الرأسمالي، وعندما تتقلص ميزانيتها يتراجع النشاط الاقتصادي في القطاعين العام والخاص.
ويكشف منحنى الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي الصورة بشكل أوضح، فقد نما من حوالي 100 مليار دولار أميركي في عام 2014 إلى ما يقرب من 132 مليار دولار أميركي في عام 2025، وهو ما يمثل نموا متواضعا ترجع اسبابه إلى الزيادة السكانية والإنفاق العام وليس للتنمية الحقيقية للقطاع الخاص. فالزراعة والصناعة والخدمات لم تتنوع بعيدا عن ارتباط الدولة بالنفط، وهي لا تزال تعتمد عليه بشكل مباشر أو غير مباشر. وبهذا المعنى فإن الشكل 4 يقدم صورة لما يبدو عليه الاقتصاد عندما تفشل عائدات غير متوقعة على مدى عقد من الزمن في إحداث تحول هيكلي.